المَعْنَى فِي الشَّرْعِ
إنَّ من كَمال صفات رَبِّنا جل جلاله أنها تأتي على أوجهٍ متعددة، وأنواع مختلفة، وأحوال متنوعة، لِتَدل على كمالِه المطلق من كل وجهٍ، كما في هذه الصفة الفِعْلِيّة، وهي الاحتجاب في مقابلة من احتجب من الوُلاة، والأمراء، والحُكّام، على من ولاهم على عِباده المسلمين، كما تقدم من الأحاديث، كما في قوله صلى الله عليه وسلم: ««فاحتجب دون حاجتهم» ؛ أي: امتنعَ من الخُروج عند احتياجهم إليه.
وقوله: «وخَلَّتهم» : بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام: الحاجة الشديدة، والمعنى: مَنَعَ أرباب الحَوائج والمُهِمّات أن يدخلوا عليه، ويعرضوا حَوائجَهم عليه، فيعسر عليهم إنهاؤها.
قوله: «احتجب الله عنه دون حاجته، وخلته، وفقره» ؛ أي: أبعده، ومنعه عَمّا يبتغيه من الأمور الدينية، أو الدنيوية، فلا يجد سَبيلًا إلى حاجة من حاجاته الضرورية، (ومن ذلك) : أن لا يُجيب دعوته، ويخيب آماله» [1] ، جزاءً وفاقًا منه تعالى لأولئك الوُلاة الظَّلَمة، لما في ذلك من كمال العدل، والقسط، والحَقّ، والنصرة للرَعية الذي احتجب عنهم أولئك، وهذا يدلُّ على تمام حمده، وكَمال أفعاله سبحانه، إذ إنها مبنية على الحكم، من جميعِ وُجوهها.
قال ابن حجر رحمه الله: «فيه وعيدٌ شديد لِمَن احتجب عن الناس لغيرِ عُذْر، وكان حاكمًا بينهم، لأن فيه تأخير إيصال الحُقوق إلى أهلِها، أو تضييعها» [2] .
(15) الصفة المقيَّدَة (الخُذْلَان) الكمالية
القُرْآنُ الكَرِيمُ
قال تعالى: {إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ} [آل عمران: 160] .
(1) «عون المعبود شرح سنن أبي داود» (5/ 346) ، و>تحفة الأحوزي بشرح جامع الترمذي» (4/ 230) ، وانظر: «فيض القدير» (5/ 471) (6/ 238) ، و «التنوير شرح الجامع الصغير» (9/ 446) .
(2) «الفتح» (13/ 133) .