غاية الإعذار، وبلوغ منتهى الإنذار في التكرار.
يقول ابن القيم رحمه الله: «والقرآن مملوءٌ من أوله إلى آخره، إنما يدلُّ على أن الطبع، والختم، والغشاوة، لم يفعلها الرَّبُّ سبحانه بعبدِه من أول وهلة حين أمره بالإيمان، وبيَّنَه له، وإنما فعله بعد تكرار الدعوة منه سبحانه، والتأكيد في البَيان والإرشاد، وتكرر الإعراض منهم، والمُبالغة في الكُفْر والعِناد، فحينئذ يطبع على قلوبهم ويختم عليها، فلا تقبل الهُدى بعد ذلك.
والإعراض والكفر الأول لم يكن مع ختم وطبع، بل كان اختيارًا، فلمّا تكرَّرَ منهم صار طبيعة، وسجيَّة، فتأمَّل هذا المعنى في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (6) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [البقرة: 6 ـ 7] ، ومعلوم أن هذا ليس حكمًا يعمُّ جميعَ الكُفّار، بل الذين آمنوا وصدقوا الرسل كان أكثرهم كُفّارًا قبل ذلك، ولم يختم على قُلوبهم، وأسماعهم ... » [1] .
قال القرطبي رحمه الله: «الأمة مجمعةٌ على أنَّ الله قد وصف نفسَه بالختم، والطبع على قلوب الكافرين، مُجازاةً لِكُفْرِهم» [2] .
(6) 35 ـ الصفة المقيدة (الاستِدْرَاج) الكمالية
القُرْآنُ الكَرِيمُ
قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [الأعراف: 182] [3] .
(1) «شفاء العليل» (1/ 260) .
(2) «تفسير القرطبي» (1/ 187) .
(3) وقال سبحانه: {فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَاذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ} [القلم: 44] .