وقد ذكرَ الإمام الجليلُ البغوي عن السَّلَف صورًا وأنواعًا من استدراج الله تعالى: «قال عطاء: سنمكر بهم من حيث لا يعلمون، وقيل: نأتيهم من مأمنِهم، كما قال تعالى: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} ، قال الكلبي: يزين لهم أعمالَهم، ويهلِكهم، وقال الضحاك: كلَّما جدَّدُوا معصيةً جَدَّدْنا لهم نعمةً، قال سفيان الثوري: نسبغ عليهم النِّعمة، وننسيهم الشُّكْرَ ... » [1] . وكل هذه الأقوال حقٌّ وصحيحة، فهي داخلة في تفسير التنوع.
وفي الحديث المتقدم فيه إخبار من النبي صلى الله عليه وسلم أن الاستدراج قد يكون لِغير الكافرين مِمَّنْ تَمادَوْا في المَعاصي، المُصِرِّين عليها، الناسين لآلاء ونعم الله عليهم، فيُجازيهم عقوبة لهم بالاستدراج، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا رأيتَ أنَّ الله تعالى يُعطي العبد» : «عَبَّرَ بالمُضارع إشارة إلى تَجدُّد الإعطاء وتكرُّره «من الدنيا» ؛ أي: من زهرتها وزينتها «ما يُحِبُّه» ؛ أي: عاكف عليها مُلازم لها «فإنما ذلك» فاعلموا إعطاءه ما يحب من الدُّنيا «من» من الله «استدراج» ؛ أي: أخذ بتدريج واستنزال من درجة إلى درجة أخرى ... ، والاستدراج الأخذ بالتدريج لا مُباغتة، والمُراد هنا تقريب الله العبد إلى العُقوبة شيئًا فشيئًا .. » [2] .
(7) 36 ـ الصفة المقيدة (الإِهْلَاك) الكمالية
القُرْآنُ الكَرِيمُ
قال تعالى: {وَإِن مِّن قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا} [الإسراء: 58] [3] .
السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا من
(1) «معالم التنزيل» (3/ 308) .
(2) «فيض القدير» (1/ 354) .
(3) قال سبحانه: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ} [الإسراء: 17] .