الصفحة 147 من 351

خطبة الحاجة، وفيها: «من يهده الله فلا مضِلَّ له، ومن يضلل فلا هاديَ له» [1] .

المَعْنَى فِي اللُّغَةِ

الضلال: العدول عن الطريق المستقيم، ويضادُّه: الهداية، ويقال: الضلال لكلِّ عدول عن المنهج، عمدًا كان أو سهوًا، يسيرًا كان أو كثيرًا [2] .

المَعْنَى فِي الشَّرْعِ

الضلال من أفعال الله تعالى الاختيارية على وجه المقابلة بالجزاء الحسن، لمن استحقَّه من البرية، لأن أفعاله سبحانه كلها خيرات محضة لا شرَّ فيها البتة، وقد تفرَّد عزَّ شأنه بذلك، كما تفرَّد هو وحده بالهداية، فإن من كمال عدله سبحانه، وتمام حكمته الباهرة أن لا يضِلَّ أحدًا حتى يقيم عليه الحُجَّة الواضحة، ويدُلَّه على طريق الحق والسُبُل البيِّنَة، كما قال سبحانه: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ} [التوبة: 115] ، وقد أخبر تعالى أنه يضلُّ من يشاء من عباده عن علم علمه منه سبحانه قد سبق خلقه.

كما قال جلَّ جلاله: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَاهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ}

[الجاثية: 23] ، قال ابن عباس رضي الله عنهما:"أضلَّه الله في سابق علمه" [3] .

فهو سبحانه أضلَّ من أضلَّ لعلمه أنه يستحقُّ ذلك قبل أن يخلقه، وأضلَّه الله كذلك بعد بلوغ العلم إليه، وقيام الحجة عليه [4] ، وقد أخبر الله جلَّ جلاله أنه يفعل ذلك (أي: إضلاله) عقوبة لأرباب هذه الجرائم العظيمة، كما قال تعالى: {وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ} [إبراهيم: 27] ، وقال سبحانه: {كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ} [غافر: 34] ، وهذا إضلالٌ ثانٍ بعد الإضلال الأول، كما قال تعالى: وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ

(1) مسلم (867) .

(2) «المفردات» (509) .

(3) «التفسير الصحيح» (4/ 325) .

(4) انظر: «معالم التنزيل» (7/ 446) ، و «معاني القرآن وإعرابه» (4/ 433) ، و «ابن كثير» (4/ 193) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت