تعالى ينزل كلَّ ليلةٍ، والاستواء على العرش مطلَق عام، ليس له حدّ (بزَمَن) بليلة، ولا بيوم، ولا بأسبوع، أو شهر، لكن النزولَ متجدِّد، لأنه ينزلُ كلَّ ليلةٍ.
ومثل: «المجيء لِلفصل بين العِباد» ، و (النزول إلى السماء الدنيا عشية عرفة» و «الغضب» عند وجود سَبَبِه، و «الرِّضا» عند وجود سَببِه، و «العَجَب» كذلك عند وجود سَببِه، وغيرها.
والله جل جلاله يقوم به من الأفعال والأقوال التي لا يُحيطها أحدٌ، إلّا هو سبحانه وتعالى [1] .
* القاعدة الثانية: (الصفات الفعلية [من حيث تعلّقُها بالأسباب] نوعان) .
تقدَّم مِرارًا أن صفات الله تعالى الفعلية متعلِّقة بِمَشيئته [2] ، وكونها متعلِّقة بالمَشيئة أنها مربوطة بِسبب، ومعلوم أنَّ الأسبابَ منها ما هو معلوم، ومنها ما هو مجهول، وعلى هذا فإنَّ صفات الأفعال من حيث هذا التعلُّق «نوعان:
الأول: صِفات لها سبب معلوم، مثل: الرِّضا، فالله عز وجل إذا وجد سبب الرِّضى: رَضِي، كما قال تعالى: {إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ} [الزمر: 7] .
النوع الثاني: صفات ليس لها سبب معلوم، مثل: النُّزول إلى الدُّنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر» [3] .
والنوع الأخير لا ينافي الحكمة في أفعاله كالأول، لأنه من اعتقاد أهل السُّنَّة والجَماعة أنَّ أفعالَه تعالى مُعَلَّلَة؛ أي: معلقة كلها بالحكمِ الباهِرة، والغايات الحميدة، فبعض أحكام الله يُعلَم سببُها، وقد يكون نسبي متفاوت بين العِباد، وبعضُها لا يعلم الحكمة فيها.
وهذا هو الاعتقاد الراسخ الصحيح في أفعاله سبحانه [4] . والله تعالى أعلم.
* القاعدة الثالثة: (صفات الأفعال تتفاوت وتتفاضل على قدر الأسباب المتعلقة بها) [5] .
من الاستقراء في أدلة الكتاب وسنة خير العباد أن أفعال الله تعالى تتباين على قدر ما تقتضيه أسباب التعلق بها، فمثلًا محبته تعالى لأوليائه تتفاوت كما في الحديث: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» [6] ، وكذلك"غضبه تعالى الذي سيكون في عرصات القيامة غير مسبوق بمثله، وغير ملحوق بمثله" [7] .
(1) صفة الكمال (الاِسْتِوَاءُ عَلَى العَرْشِ) الجليلة
القُرْآنُ الكَرِيمُ
قال عزَّ شأنُه: {الرَّحْمَانُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] [8] .
السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيدي، فقال: «يا أبا هريرة، إن الله خلق السموات والأرضين وما بينهما في ستة أيام، ثم استوى على العرش اليوم السابع ... » [9] .
المَعْنَى فِي اللُّغَةِ
(1) انظر: «شرح عقيدة أهل السنة» والجماعة» (190) ، و «تفسير سورة آل عمران» (1/ 129) ، و «تفسير سورة النساء» (1/ 128) (2/ 221) ، و «شرح القواعد المثلى» (123) لابن عثيمين.
(2) تقدَّم في الضابط الثالث في (ص 83) أنَّ «كل فعل علقه الله تعالى بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة» .
(3) «شرح العقيدة الواسطية» لابن عثيمين (1/ 183) .
(4) للاستزادة انظر «الحكمة والتعديل في أفعال الله تعالى» ، د. محمد بن ربيع المدخلي (43) .
(5) تقدم في القاعدة العاشرة: (أن صفات الله تعالى تتفاضل فيما بينها) . والمقصود هناك: التفاضل بين الصفة والأخرى، أما هنا فالتفاضل في الصفة نفسها.
(6) مسلم (2663) .
(7) «اللآلئ البهية في شرح العقيدة الواسطية» (1/ 369) .
(8) امتدح الله تبارك وتَعالى نفسه بالاستواء على العرش، في سبع مواضع في القرآن الكريم: الأعراف (54) ، يونس (3) ، الرعد (2) ، طه (5) ، الفرقان (59) ، السجدة (4) ، الحديد (4) .
(9) أخرجه النسائي في سننه الكبرى (412) ، وقال الألباني رحمه الله في تَعليقه على مختصر العلو للذهبي: «إسناده جيد» (ص 112)