الصفحة 174 من 351

صفات الكمال

(المَحَبَّةُ، الرِّضا، الفَرَحُ، الضَّحِكُ، وَالعُجْبُ، وَالبَشْبَشَةُ) الجليلة

* تمهيد:

قبل الكلام عن كلِّ صفة بمفردها، من المهم أن نذكرَ أهمية هذه الصفات الجليلة، الجميلة، الحبيبة إلى نُفوس أنبياء الله، ورسله، وأوليائه، فإن هذه الصفات الجليلة، من الصفات الفعليَّة، التي تتعلق بمشيئته وإرادته كما سبق، قد وصف بها الله تعالى نفسه، ووصفه بها رسله صلوات الله وسلامه عليهم، حيث اتفقت كلمتُهم وتواطأ خبرُهم على تعريف الرَّبِّ عز شأنُه المدعو إليه بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، تعريفًا مفصَّلًا، حتى كأن العبادَ يُشاهدونه سبحانه وتعالى، وينظرون إليه، وكان من جملة ما عرفوه: أنَّ لِرَبِّهم صفات الكمال، وأنه يُحِبُّ ويُحَبُّ، ويفرح بتوبة عباده وطاعتهم، ويضحك منها، ويرضى بها، ويثني عليهم بها، فهذا من جملة مطالب الإيمان المشتركة بين أهل المِلَل كلهم، والعبد متى ما تدبرَ كتابَ الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أشهده هذا التدبُّر، أنهما مملوءان بوصف الرَّبِّ تبارك وتعالى، بالمحبة، والرضا، والفرح، والضحك، وأنَّ نصوصهما محكمةٌ غاية الإحكام، مبينةٌ بأقصى غاية البَيان.

ولا ريب أن العلم الضروريَّ حاصلٌ بأن هذه الصفات من أعظم صِفات الكمال، وأنه فرض على الأمة التصديق بها فرضًا لا يتم أصل الإيمان إلا به، فيقوى القلب بهذا الإيمان، حتى يصير الغيب بمنزلة المشاهد بالعين، فينشأ من كمال الإيمان بالله تعالى وأسمائه وصفاته: مشهد الإحسان، وأن للعبد رَبًّا وإلهًا ومَلِكًا: خالِقًا حَيًّا، يُحِبُّ ويرضى، ويفرح ويضحك، وإن الكون بجملة ما فيه: آيات وشَواهد وأدلة، دَعا الله سبحانه وتعالى عبادَه إلى النَّظَر فيها، والاستدلال بها على هذه الصفات، ومَنْ له خبرة بِمَذاهب الناس وأقوال السَّلَف: يعلم قطعًا أن سلفنا قد اجتمعوا على القول بِدِلالة الوحي والعقل على إثبات هذه الصفات، حتى إن أحدهم إذا روى لغيرِه حديثًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذِكْر صفة من هذه الصفات، تلقاه بالقبول واعتقد ثبوتَ تلك الصفة على القطع واليَقين، واعتقد ثُبوتَ مقتضاها بمجرد سَماعها من العدل الصادق، ولم يرتَبْ فيها، فإذا سُئِلَ عن معنى هذه الصفات، أجاب بقوله: معانيها كلها مفهومة، وأما كيفيتها فغير معقولة، إذ تعقُّل الكيفية: فرع العلم بكيفية الذّات وكُنْهها، وإخبار العبد عن رَبِّه تبارك وتعالى بهذه الصفات الكريمة، هو أحد نوعي ذِكْر أسماء الرَّبّ تبارك وتعالى وصفاته، والثناء عليه بهما،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت