الصفحة 180 من 351

رضى الرب من أعظم ما يُدركه المؤمنون في جنات النعيم

قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 72] .

فقوله: {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ} : «أي: رضى الله عنهم أكبر، وأجلُّ، وأعظم، مِمّا هم فيه من النَّعيم» [1] .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله عز وجل يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبَّيْكَ رَبَّنا وسعدَيْك، والخير في يدَيْك، فيقول: هل رَضيتُم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رَبَّنا وقد أعطيتَنا ما لم تُعط أحدًا من خلقِك، فيقول: ألا أعطيكم أفضلَ من ذلك؟ فيقولون: وأي شيء أفضلُ من ذلك؟ فيقول: أحلُّ عليكم رِضْواني فلا أسخطُ عليكم بعدَه أبدًا» [2] .

وفي رواية: «هل تشتهون شيئًا فأزيدكم؟ قالوا: يا ربَّنا ما خير مِمّا أعطيتَنا! قال: رضواني أكبر» [3] .

فانظر رَعاكَ الله تعالى إلى كَمال وعِظم رِضاه سبحانه، إذ إن يسير اليَسير من رِضوانه أكبر من الجِنان وما فيها، لأنَّ رِضاه صفة من صِفات الله تبارك وتَعالى، والجنةُ خلقُه وثَوابُه، وهذا الرِّضى جزاء على رِضاهم عنه في الدُّنيا، ولَمّا كان هذا الجزاء، أفضل الجزاء كان سببه أفضل الأعمال [4] .

(6) صفة الكمال (الفَرَح) الجليلة

السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للهُ أشَدُّ فَرَحًا بتوبةِ عبدِه حين يتوبُ إليه من أحدِكم كان على راحلتِه بأرض فلاة، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيِسَ منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظِلِّها، قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمة عنده، فأخذَ بخِطامِها، ثم قال من شدَّة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا رَبُّك، أخطأ من شِدَّةِ الفَرَح» [5] .

المَعْنَى فِي اللُّغَةِ

الفرح: خلاف الحزن وهو: السرور، يقال: فرح يفرح فرحًا، فهو فَرِحٌ؛ أي: مسرور.

المَعْنَى فِي الشَّرْعِ

الفرح من أوصاف الله تعالى الكَمالية، لأنَّ رَبَّنا لا يوصَف ولا يقوم به من الأفعال إلا الأكمل، والأحسن، والأطيب، قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى} [النحل: 60] ، «وهذه الصفة الجَليلة تدلُّ بالتضمُّن على لطف الله تعالى بِعِباده، ورحمته لهم، حيث يوفق من يَشاء من عبادِه لِيَتوبوا، فإذا تابوا تقبلَ توبتَهم، وفرح بها فرحًا شديدًا ولطيفًا في وقتٍ واحد، إذ يرد إليه عباده الشاردين من طاعته لِئَلّا يضيعوا، وهو الذي لا تضرُّه معصيتُهم، ولا تنفعه طاعتُهم» [6] .

وقد وصف نبينا صلى الله عليه وسلم فرحَ رَبِّنا العظيم كما تقدم بأعظم فرح يخطرُ على البال، أو يدور في الخيال، فلو كان في الوجود فرح أعظم، وأكمل من هذا الفرح لَبَيَّنَه صلى الله عليه وسلم، فهو «فرح لا يشبه فرحَ أحد من خلقه، لا في ذاتِه، ولا في أسبابِه، ولا في غاياته، فسببه كمال رحمتِه وإحسانه، التي يحب من عباده أن يتعرضوا لها، وغايته إتمام نعمته على التائب المُنيب» [7] .

ففرحه سبحانه لا مثيل ولا عديل له، وذلك أن فرحه تعالى: «فرحة إحسان، وبِرٍّ، ولطف،

(1) «تفسر ابن كثير» (2/ 502) .

(2) البخاري (6549) (7518) ، ومسلم (2829) .

(3) أخرجه الحاكم في المستدرك (1/ 82) وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذَّهبي، وقال الألباني: وهو كما قالا. «السلسلة الصحيحة» (1336) .

(4) انظر: «مدارج السالكين» (2/ 226) ، و «مختصر الصواعق المرسلة» (2/ 348) .

(5) البخاري (6038) (6039) ، ومسلم (2744) (2746) .

(6) «الصفات الإلهية» لمحمد بن أمان الجامي (297) .

(7) «شرح الواسطية» للسعدي (2/ 359) ، و «شرح الواسطية» للهراس (360) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت