الصفحة 185 من 351

أن الله تعالى متصِفٌ بالكمال من هذه المعاني الجليلة، «فليس عجبه سبحانه ناشئًا عن خَفاء في الأسباب، أو جهل بِحَقائق الأمور، كما هو الحال في عجب المخلوقين، لأن التعجب في حَقِّ الإنسان منشأه غرابة الفعل، وأنه حدث على شكل يُثير العجب والغَرابة، لأن الإنسانَ فوجِئَ بالفعل الذي هو محلّ التعجب، إذا كان هذا هو مثار التعجب عند المخلوق فإن الله تبارك وتَعالى مُنَزَّهٌ عن هذه المعاني، لأنه سبحانه هو الذي قَدَّرَ ذلك الفعل الذي هو محلّ التعجُّب، فلا ترد في حَقِّه سبحانه هذه المَعاني، وتلك اللوازم لتعجب الإنسان» [1] ، «فعجبه جل جلاله هو معنًى (يليق بكماله وجَلالِه) يحدث له سبحانه على مقتضى مشيئته وحكمتِه، وعند وجود مقتضيه (من الأسباب) ، وهو الشيء الذي يستحق أن يتعجب منه» [2] .

قال الفَرّاء رحمه الله: «العجب إن أُسندَ إلى الله عز وجل فليس معناه من الله تعالى كمعناه من العِباد، وكذلك قوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [البقرة: 15] ، ليس ذلك من الله تعالى كمعناه من العِباد» [3] . وهذا من حسن اعتقاده رحمه الله.

«وقد يدلُّ التعجب على بُغْضِ الله تعالى للفِعل الذي هو محل التعجب، ومن أمثلة هذا النوع: قوله تعالى: {وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا} [الرعد: 5] ، وقوله: {بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُون} [الصافات: 12] [4] على قراءة الضم، وهو عجبٌ من كفرهم مع وضوح الدّلالة [5] . وهذه القراءة؛ أي: بالضم (عجبتُ) هي قراءة عامة الكوفة، بمعنى: بل عظم عندي، وكبر اتخاذهم لي شريكًا، وتكذيبهم تنزيلي وهم يسخرون، وقرأ ذلك عامة قراء المدينة والبصرة، وبعض قرَّاء الكوفة: {عَجِبْتَ} بفتح التاء، بمعنى: بل عجبت يا محمد، ويسخرون من القرآن، وهاتان القراءتان مشهورتان في قرأة الأمصار، فبأيتهما قرأ القارئ فهو مصيب [6] ، لأن القاعدة في

(1) «شرح الواسطية» للهراس (2/ 374) ، و «الصفات الإلهية» للجامي (294 ـ 295) .

(2) «شرح الواسطية» للهراس (2/ 374) .

(3) «معاني القرآن» (2/ 384) .

(4) «الصفات الإلهية» لأمان الجامي (296) .

(5) «مجموع الفتاوى» (6/ 123) .

(6) «تفسير الطبري» (6/ 297) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت