وهذه الصفة الجميلة معناها «يقرب معنى الفرح، والعرب تقول: رأيتُ لِفلان بشاشة، وهشاشَةً، وفرحًا، ويقولون: فلان هَشٌّ بَشٌّ فرحٌ، إذا كان منطلقًا» [1] .
وهذه الصفة الكريمة كغيرِها يعلم أصلُ معناها، ويُجْهَل كيفيتها وكنهها، وهذه القاعدة تقع على كلِّ الصِّفات، كما نَصَّ على ذلك أئمةُ الدُّنيا. جاء عن الإمام أحمد رحمه الله في صفة الضحك أنه قال: «يضحكُ الله، ولا نعلم كيفَ ذلك، إلا بتصديقها الرسول صلى الله عليه وسلم، والقرآن» [2] .
وقوله: (ولا نعلم كيف ذلك) : لأنَّ الكيفيَّة لا تدرك ولا تعلم إلا بمعرفة حقيقة الشيء وأصله، وهذا منتفٍ في حَقِّنا في حَقِّ رَبِّنا جل جلاله.
صفات الكمال (الغَضَب، والأَسَف، والسُّخْط، والغَيْظ)
تمهيد:
لَمّا كانت الصفات التي تقدمَ شرحُها وبيانُها صفات حبيبة إلى النفوس، موقدة إلى شد الهمم والرجاء والأمل، ناسب أن يعقبها ذكر صِفات تقابلها، تتضمَّن معاني القهر والانتقام، مع كمال العدل، تستوجب الخوف، والرهبة، حتى يُجمع بين الرجاء والخوف، وهي طريقة القرآن في الجمع بين الترغيب والترهيب، وهكذا ينبغي للسالك إلى الله تبارك وتعالى في هذه الدّار، أن يكون الخوف والرجاء له كجناحي الطير، يجمع بين الرغبة والرَّهبة، فلا يغلب واحدًا على الآخر، فلا يغلب الرجاء فيقع في الغُرور وطُول الأمل، ولا يغلب الخوف فيقع في القنوط واليأس.
«وهذه الصفات إنما تقع بأسباب تناقض موجب ما يُحِبُّه الله تعالى ويَرْضاه، فهو سبحانه كما يحبّ أسماءه وصفاته، ويحب آثارَها وموجبها: فهو يكره ما يُضادها، ووجود هذه الصفات مستلزم لِما يحبه الله تعالى ويَرْضاه، لِذا لم تبق هذه الصفات مقصودة بعدما يحصل عنها من الآثار والمُوجِبات التي يُحبُّها الله سبحانه وتعالى ويَرْضاها، لا لِنفسها، ولا لغيرها، فتزول ويخلفها
(1) «إبطال التأويلات» (1/ 243) .
(2) المصدر السابق (1/ 217) .