في كِتابِه فهو عندَه فوق العَرْش: إنَّ رَحمَتي سَبَقَتْ غَضَبي» [1] .
المَعْنَى فِي اللُّغَةِ
الغضب: نقيض الرِّضا، وأصله: ثوران دَمِ القلب، إرادة الانتقام، ومنه محمود ومذموم، فالمذموم ما كان في غير الحَقِّ، والمحمود ما كانَ في جانب الدِّين والحَقِّ [2] .
المَعْنَى فِي الشَّرْعِ
وصف رَبّنا نفسَه ورسولُه الأمين صلى الله عليه وسلم بصفة الكمال العليَّة الجليلة (الغضب) ، قلنا صفة كَمال لأنَّ غضبَه تبارك وتَعالى «خِلاف غضب خلقِه، فإن غضبَ المخلوق هو غليان دَمِ قلبِه، طلبًا للانتقام، والله يتعالى عن ذلك» [3] ، وغضب الرَّبِّ ليس له مثيل، ولا شبيه من الخلق أجمعين، لا في أسبابه، ولا في غاياته، ولا في موجِباته، وآثاره، قال الطحاوي رحمه الله في عقيدته: «والله يغضب ويرْضَى لا كأحدٍ من الوَرَى» [4] .
فغضب المخلوق غالِبًا ما يكون عن سَفَهٍ، وجهل، وظلم، وطيش، وهذه المقتضيات واللوازم لا تلزم صفةَ الخالِق، إذْ لا مُناسبة بين صفات الخالق وصِفات المخلوق من كل وجهٍ، حتى تُقاس صفاتُه سبحانه على صِفاتهم.
وغضب رَبِّنا تبارك وتَعالى له شأن عظيم، وخطرٍ جسيم، حيث يترتَّب عليه العَذاب والهلاك، وإحلالُ أنواع العُقوبات، وصنوف المثلات في أي وقت شاء، للأمم المشركة بالله تعالى، المستكبرة عن عِبادته [5] .
(1) البخاري (3194) ، ومسلم (2751) . وفي حديث الشَّفاعة العظيم في اعتذار الأنبياء حين يطلب الناس منهم الشفاعةَ عند الله تعالى، فكان كلُّ واحد منهم يقول: «إنَّ رَبِّ غَضِبَ اليومَ غَضَبًا لم يغضبْ قبلَه مثلَه، ولن يَغضبَ بعدَه مثله ... » . البخاري (3340) ، ومسلم (194) .
(2) «عمدة الحفاظ» (3/ 165) ، و «اللسان» (6/ 632) .
(3) «شفاء العليل» (2/ 596) .
(4) «شرح العقيدة الطحاوية» (524) .
(5) يقول ابن القيم رحمه الله: «العذاب إنما ينشأ من صِفَةِ غضبِه، وما سُعِّرَت النارُ إلا بغضبه ... ، فمخلوقاته سبحانه نوعان: نوع مخلوقٌ من الرَّحمة وبالرحمة، ونوع مخلوقٌ من الغضب وبالغضب، فإنه سبحانه وتعالى له الكَمالُ المطلق من جميع الوجوه، الذي يتنزَّهُ عن خلافه، ومنها: أنه يرضى ويغضبُ، ويُثيب ويُعاقبُ ... ، فإذا زالَ غضبُه سبحانه، وتبدَّلَ بِرِضاه: زالت عقوبتُه، وتبدَّلَت برحمته، فانقلبت العقوبةُ إلى رحمة» .
ويقول رحمه الله: «وهم ـ أي: الكافرين والمجرمين ـ لَمّا أغضبُوا الرَّبَّ تعالى وقابلوه بِما لا يَليق أن يُقابل به، وعاملوه أقبح المُعامَلَة، وكذَّبوه، وكَذَّبوا رُسُلَه، وجعلوا أقلَّ خلقِه وأخبثهم وأمقتَهم نِدًّا له، وآلهةً معه، ...: اشتدَّ مقتُه لهم، وغضبه عليهم، وذلك يُوجِبُ كمالَ أسمائه، وصِفاته، التي يَستحيل عليه تقدير خلافها، ويستحيل عليه تخلف آثارها، ومقتضاها عنها» . حادي الأرواح» (453 ـ 454) .