وينبغي أن يفرق بين صفة الغضب القائمة بالرَّبّ، وبين أثر وموجِب الغضب، فإن «القرآن مملوءٌ بذِكْر سخطه وغضبه على أعدائه، وذلك صفة قائمةٌ به، ويترتَّبُ عليها العذابُ واللعنةُ، لا أن السّخط هو نفس العَذاب واللعنة، بل هما أثر السّخط والغضب، وموجبهما، ولهذا يفرَّق بينهما، كما قال تعالى: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [النساء: 93] ، ففرَّق سبحانه بين عَذابه وغضبه ولعنته، وجعلَ كلَّ واحدٍ غيرَ الآخر» [1] .
فالانتقام والهَلاك والعذاب نتيجةُ الغضب، وأثرُه، ومقتضياته، وهذا باب عظيم ينبغي أن يعلمَه الموحدون في حَقِّ رَبِّ العالمين، فهو طريق الرّاسخين في العلم بالله تعالى، السالكين طريق الأنبياء والمرسلين، في أعظم وأجلِّ أبواب الدِّين.
وقد تقدم بيانه: أنَّ صِفات الرَّبِّ تعالى الفعلية تتفاوت على قدر ما تقتضيه أسبابُها، ولهذا فإنها تحدث في وقتٍ دون وقت، وغضبه سبحانه كذلك، فإن أشد ما يكون في يوم الدِّين، ولهذا فإن «غضبه تعالى الذي سيكون في عرصات القيامة غير مسبوقٍ بمثلِه، وغير ملحوقٍ بمثلِه» [2] ، كما تقدم (ذكر حديث الشفاعة الطويل) ، وهو يخبر عما يقوله الأنبياء اعتذارًا للناس عندما يتقدمون إليهم لِطَلب الشَّفاعة منهم، بدئًا بآدم أبو البشر، ثم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى عليه السلام، كما أخبر بذلك سيد البشر عليه الصلاة والسلام أنَّ كلَّ واحد منهم يقول: «إنَّ ربي قد غضبَ اليومَ غضبًا لم يغضبْ قبلَه مثلَه، ولن يغضبَ بعدَه مثلَه، اذهبوا إلى غيري» [3] إلى آخر الحديث.
(1) «مدارج السالكين» (1/ 278) .
(2) «اللآلئ البهية» (1/ 369) .
(3) تقدم تخريجه.