والحديث يدلُّ دلالة واضحة على أن إثبات صِفة الغضب من دِين الرُّسُل جميعًا، لأن الشرائعَ كلها متفقة في الأصول، بَيْد أنَّ الله جعل لكلِّ واحدٍ منهم شِرْعةً ومنهاجًا [1] .
(11) صفة الكمال (الأَسَف) الجليلة
القُرْآنُ الكَرِيمُ
قال تبارك وتَعالى: {فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ} [الزخرف: 55] .
المَعْنَى فِي اللُّغَةِ
الأسف: يطلق على المُبالغة في الحزن، والغضب معًا، وقد يقال لكلِّ واحدٍ منهما على الانفراد [2] .
فمن الأول: وهو شدة الحزن، قوله تعالى عن يعقوب عليه السلام: {يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ} [يوسف: 84] .
والثاني: شدة الغضب، كما في الآية السابقة، فيُقال: أسف عليه يأسف، بمعنى: غضب عليه، والمعنى الأول ممتنِعٌ بالنسبة لله عز وجل، والثاني مثبت لله تعالى، لأنَّ الله وصف به نفسَه [3] .
المَعْنَى فِي الشَّرْعِ
الأسف من صفات الله الفِعليَّة، وهو من جنس الغضب، وينبغي هنا أن يعلم: أنَّ الصفة قد يكون لها أصل، وبعض الصِّفات تكون متنوعة اللفظ، ولكنها مشتركة في الأصل، فالغضب منه الأسف (وهو أشدّه) ، وقد يكون منه أشياء أخرى، وكذلك صفة البغض، ومنه: المقت، الذي هو أشد البغض، إذ البغض جنس منه الكراهية، ومنه المقت ... إلى آخره، فإثبات أصل الصفة لا يعني
(1) «الصفات الإلهية» (299) .
(2) «المفردات» (75) .
(3) «لسان العرب» (1/ 150) ، «شرح الواسطية» لابن عثيمين (1/ 499) ، و «شرح الواسطية» للهراس (1/ 481) .