الصفحة 200 من 351

وقال عليه الصلاة والسلام: «يا أمَّة محمَّد، ما أحد أغيرُ من الله أن يزنيَ عبدُه، أو تزنيَ أمتُه ... » [1] .

المَعْنَى فِي اللُّغَةِ

الغيرة: تدلُّ على صلاح، وإصلاح، ومنفعة، ومنه: غارهم الله بالغَيْث؛ أي: أصلحَ شأنَهم، ونفعهم به. وتطلق الغيرة على: الحميَّة والأنَفَة، إذ إن أصلها: المنع، والرجل غيور على أهله؛ أي: يمنعهم من التعلق بأجنبي بنظر، أو حديث، أو غيره [2] .

المَعْنَى فِي الشَّرْعِ

الغيرة من صِفات الله تعالى الفعلية، لأنها مربوطةٌ بسبَب، وكل صفة مربوطة بسبب فإنها من الصفات الفعلية [3] .

وقد تقدَّمَ ذِكْر الأدلة السنية والتي جاءت في وصف غيرةِ رَبِّنا العظيم، وكلها جاء فيها «وصف النبي صلى الله عليه وسلم رَبَّه بالأكمليَّة في ذلك، فنفى وجود من هو أغير من الله تعالى» [4] ، كما في الحديث: «يا أمة محمد، ما أحدٌ أغيرُ من الله، أن يزنيَ عبده أو تزني أمتُه ... » فلم يصفه صلى الله عليه وسلم بمطلق الغيرة، بل بيَّن أنه لا أحد أغيرُ منه، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أغيرُ من المؤمنين، وقد قدَّمْنا غير مرَّة أن الله سبحانه لا يُساوي في شيء من صِفاته، وأسمائه، بل ما كان من صِفات الكَمال فهو أكمل فيه، وما كان من سَلْب النَّقائص فهو أنزَهُ منه، إذ له المَثَل الأعلى سبحانه وتعالى، فوصفه بأنه أغير من العباد، وأنه لا أغير منه [5] .

ولقد جاءَ في تحقيق هذه الصفة على لِسان نبيه الأمين صلى الله عليه وسلم في أحسن البَيان من أساليب التعليم في تحقيق صِفات رَبِّ العالمين، كما في حديث سعد، حيث قدَّمَ صلى الله عليه وسلم كلامَه في صيغة الاستفهام «أتعجبون من غيرةِ سعد؟» ثم تدرجَ في بَيان تفاضلها بينه وبينَ سعد بالقسم، وصيغة التفضيل «فوالله لأنا أغيرُ» ، ثم أصّل المعنى في هذا الوصف على وجه المفاضلة المطلَقة في حَقِّه تعالى «والله أغيرُ مني» ، وهذا أسلوب الحكيم أن يضربَ الأمثالَ في الأمور المشاهدة على الأمور الغيبية، وإن معاني الأسماء والصفات وإن اشتركت بين العبد وبين الرَّبِّ، فإنَّ هذا لا يدلُّ على التَّساوي، فإذا كان التفاضل متفاوتًا بين الخلق، فمن باب أولى أن يكون على وجه الأقصى الأكمل المطلق في حَقِّ الرَّبِّ جل جلاله.

«وغيرة الله تعالى تتضمَّن البغض، والكراهةَ لِما يَغار منه» [6] ، وإن من مقتضاها وآثارها أنه تعالى حرَّمَ الفواحشَ [7] ، ولهذا جمعَ النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الآتي «بين وصفِه سبحانه بأكمل المحبَّة للمَدائح، وأكمل البُغْض للمَحارم» [8] كما قال صلى الله عليه وسلم: «ما أحدٌ أغيرُ من الله تعالى ... وما أحدٌ أحبُّ إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرينَ ومُنْذِرِين» [9] ، فالغيرة أصلُها كراهة القبائح وبغضها. وبَيَّنَ محبةَ العُذْر الذي يوجب كَمالَ العدل والرَّحمة والإحسان، والله سبحانه مع شدَّة غيرته يُحبُّ أن يعتذرَ إليه عبدُه، ويقبل عذرَ من اعتذرَ إليه، وأنه لا يُؤاخذ عبدَه بارتكاب ما يغار من ارتكابه، حتى يعذر إليهم، ولأجل ذلك أرسلَ رسلَه، وأنزل كتبَه، إعذارًا وإنْذارًا، وهذا غاية المجد، والإحسان، ونهاية الكمال [10] .

والنصوص الدالَّة على ثُبوت صفة الغيرة لِرَبِّنا جل جلاله تدلُّ على أن غيرته تعالى نوعان: إما خاصَّة، وإما عامَّة، فالخاصَّة: وهي أن يأتيَ المؤمنُ ما حرم عليه. والعامة: وهي غيرته من الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وهذه الغيرة أخص من مطلق البُغض، والمقت، والسخط [11] .

(1) البخاري (1044) (5221) .

(2) «النهاية» (685) ، و «اللسان» (2/ 1036) ، و «معجم مقاييس اللغة» (4/ 403) .

(3) لأنَّ السببَ واقع بمشيئة الله تعالى، والمترتب عليه واقع على ما وقع بالمَشيئة، وهي صفة حقيقية لله عز وجل، وهي بإضافَتِها إلى الله تعالى لا يمكن أن يعتريَها نقصٌ، وأما إذا أُضيفت للآدمي فقد يعتريها نقصٌ «شرح صحيح مسلم» لابن عثيمين (5/ 187) .

(4) «مجموع الفناوى» (6/ 119) .

(5) «بيان تلبيس الجهمية» (7/ 410) .

(6) «الصواعق المرسلة» (4/ 1497) .

(7) «شرح كتاب التوحيد» للغنيمان (1/ 340) .

(8) «الاستقامة» (2/ 3) لابن تيمية.

(9) البخاري (7416) ، ومسلم (1499) (2760) .

(10) «الداء والدواء» لابن القيم (108) .

(11) انظر: «الاستقامة» (2/ 9، 11، 13) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت