(2) حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث رؤية المؤمنين رَبّهم في الآخرة: « ... فيأتيهم الجَبَّارُ في صورةٍ غير صورَتِه التي رآه فيها أولَ مَرَّةٍ، فيقول: أنا رَبُّكم ... » [1] .
المَعْنَى فِي اللُّغَةِ
الإتيان: مجيء بِسُهولة، ومنه قيل لِلسَّيْل المارّ على وجهه: أتيٌّ وأتاويُّ، والإتيان يقال لِلمَجيء بالذَّات، وبالأمر، وبالتدبير، ويقال في الخير والشَّرِّ، وفي الأعيان والأعراض [2] .
ويُسند الإتيان لِلباري تعالى، كما أسنِدَ إليه المجيءُ على معنًى يليقُ بِجَلاله، ويُعبّر بالإتيان عن الهَلاك، قال تعالى: {فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} [الحشر: 2] [3] .
المَعْنَى فِي الشَّرْعِ
يوصف رَبّنا تبارك وتَعالى بصفتي الإتيان والمَجيء الفعليتان، على الحَقيقة كما يَليق بِكَمال رَبِّنا وجَلاله، وقد «تَلَقَّاها علماءُ السَّلَف بالقبول، ونقلوها من بعدهم كما فهموها، ودرج على الإيمان بها من بعدهم وإقرارها، وإمْرارها كما جاءت وكما تَلَقَّوْها، وهم خير القرون، بل هم الناس الذين يسألون عن فهمهم للنُّصوص كيف فَهِموها، وكيف عملوا بها، لِيقتدى بهم، ولا سيما باب «الأسماء والصفات» ، فالخير والهُدى والاطمئنان في اتِّباعهم، والتأَسِّي بهم» [4] .
وقد تقدمَ ذِكْر الأدلة على هاتين الصِفَتين، فالآية الأولى يُخبر الله عز وجل أنه «يأتي يومَ القِيامة لِفَصْل القَضاء بين الأولين والآخرين، فيجزي كلَّ عاملٍ بعمَلِه، إنْ خيرًا فخير، وإن شَرًّا فشر، ولهذا قال تعالى: {وَقُضِيَ الْأَمْرُ} » [5] .
والآية الثانية في الأنعام (158) في قوله: هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ
(1) البخاري (7439) ، ومسلم (183) . وفي لفظ: «أتاهم رَبُّ العالمين سبحانه وتعالى» مسلم (183) .
(2) «المفردات» (60) .
(3) «عمدة الحفاظ» (1/ 54 ـ 55].
(4) «الصفات الإلهية» (257 ـ 258) .
(5) «تفسر ابن كثير» (1/ 248) .