يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ [الأنعام: 158] .
يقول شيخ المفسرين في وشرحها بَيانِها على منهَج أهل السنة والجَماعة: «يقول جلَّ ثَناؤه: هل ينتظر هؤلاء العادِلون بِرَبِّهم الأوثان والأصنام {إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ} بالموت فتقبِض أرواحَهم، أو أن يأتيهم ربُّك يا محمد، بين خلقه في موقف القِيامة ... » [1] .
وقد نَبَّه ابن القيم رحمه الله أن: الإتيانَ والمَجيء من الله تعالى نوعان: مطلق، ومقيَّد، فإذا كان مجيء رحمته، أو عذابه، كان مقيَّدًا، كما في الحديث «حتى إذا جاء الله بالرَّحمة والخير» ، ومنه قوله تعالى: {وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ} [الأعراف: 52] ، وقوله: {بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ} [المؤمنون: 71] ، وفي الأثر: (لا يأتي بالحَسنات إلا الله) .
النوع الثاني: المَجيء والإتيان المُطْلَق، كقوله: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ} ، وقوله: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ} ، وهذا لا يكون إلا مجيئه سبحانه، هذا إذا كان مُطْلَقًا، فكيف إذا قُيِّد بما يجعله صَريحًا في مَجيئه بنفسِه، كقوله: {إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ} فعطفَ مَجيئَه على مَجيء الملائكة، ثم عطف مجيء آياتِه على مَجيئه.
ومن المَجيء المُقَيَّد قوله: {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ} [النحل: 26] ، فلمّا قيَّدَه بالمفعول وهو البُنْيان، وبالمجرور وهو القواعد: دَلَّ ذلك على مَجيء ما بينه، إذ من المعلوم أنَّ الله سبحانه إذا جاءَ بنفسِه لا يَجيء من أساس الحِيطان وأسفلها، وهذا يُشبه قوله: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا} [الحشر: 2] ، فهذا مَجيءٌ مقيَّد
(1) «تفسير الطبري» (3/ 387) .