الصفحة 59 من 351

نَواجِذُه، ثم قرأ: {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الزمر: 67] .

وفي لفظ: «فضحكَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم تعجُّبًا وتصديقًا» [1] .

(2) وقال عليه الصلاة والسلام: «ما مِنْ قلبٍ إلّا وهو بين إصبعين من أصابع رَبِّ العالمين، إنْ شاء أن يُقيمه أقامَه، وإنْ شاء أن يُزيغَه أزاغَه» . وكان يقول: «يا مُقَلِّب القُلوب ثَبِّت قلوبَنا على دِينِك» [2] .

المَعْنَى فِي الشَّرْعِ

تقدمَ حديثُ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي أخبر فيه اليهودي عن إثبات وعظمة أصابع رَبِّنا الجليلة «وهذا من العلم الموروث عن الأنبياء المتلَقَّى عن الوحي من الله تعالى، ولهذا صدَّقَه رسولُ الله، بل وأعجبه ذلك وسُرَّ به، ولهذا ضحك حتى بَدَتْ نواجِذُه تصديقًا له» [3] .

ولهذا قرأ صلى الله عليه وسلم الآية، تأييدًا له [4] .

وهذا يدلُّ دلالة قاطعة على أن مسائل التوحيد، والإيمان، والتي منها الأسماء والصِّفات متفقة على ذلك في جميع الأديان.

ودلت هذه الصفة الجليلة على عظمة صِفات رَبِّنا، وأنها لا تُشبه صفات أحد من خلقه، وإن تشابهت المُسَمَّيات عند الإطلاق، أما عند الاختصاص فإن الحقائق والكيفيات تختلف عنهم من جميع الوجوه والاعتبارات «فإن جميع بني آدمَ منذ خلق الله تعالى آدمَ إلى أن ينفخ في الصُّور، لو اجتمعوا على إمساك جزء من أجزاء كثيرة من سماء من سمواته، أو أرض من أراضيه السبع بجميع أبدانِهم كانوا غير قادرين على ذلك، ولا مستطيعين له، بل عاجزين عنه» [5] .

ولهذا يقول بيده سبحانه: «أنا الملك» : «أي أنه تعالى يهزُّهن استخفافًا لهذه المخلوقات، واستِصْغارًا لها، أمام عظمة الله تعالى، وقوته جلَّ وعلا، وقد جاء مصرحًا بذلك في الرِّوايات الأخرى» [6] .

«وهذا الإمساك يكون قبل تبديل الله تعالى الأرض غير الأرض، لأن الإمساكَ على الأصابع غير القبض على الشيء ... » [7] .

واعلم رَعاكَ الله تعالى أن الله قادرٌ على أن يضعَ كل أنواع المخلوقات التي ذكرت في الحديث على إصبَعٍ واحد، لكن لِحِكمة عَلِيَّة اختص بها سبحانه.

وفي الأحاديث الأخرى (أن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين) من أصابعه الجليلة، وهذا لا يقتضي المماسة، ولا الملاصقة لأصابعه، ولا أنها في جوفه، كما قال تعالى: {وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [البقرة: 164] .

فليس هناك مماسة، ولا مقاربة بين الأرض وبين السماء، ولا بين السحاب، وبين الأرض [8] .

وقوله صلى الله عليه وسلم: (يقلبها) ؛ أي: الله تعالى، وإضافة التقليبِ إلى الله سبحانه حقيقة، والفائدة من هذا أن الرسول صلى الله عليه وسلم بَيَّن أن تقليب هذه القلوب يسيرٌ على الله عز وجل كالشيء الذي بين أصابعه [9] .

(6) صفة الكمال (الأَنَامِل) الجليلة

السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ

(1) صحيح البُخاري (4811، 7414) ، ومسلم (2786) .

(2) أخرجه أحمد في المسند (7630) ، وقال العلامة شُعيب الأرنؤوط: «إسناده صحيح على شرط الشيخين» (29/ 178) . وقال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ قُلوبَ بني آدم كلّها بين إصبعين من أصابِع الرَّحمن، كقلب واحدٍ، يصرفه حيث يَشاء ... » . مسلم (2654) .

(3) «شرح كتاب التوحيد» من صحيح البُخاري» للعلامة عبد الله الغنيمان (1/ 226) .

(4) «شرح صحيح مسلم» لابن عثيمين (8/ 91) .

(5) «كتاب التوحيد» لابن خزيمة (1/ 194) .

(6) «شرح كتاب التوحيد» للغنيمان (2/ 517) .

(7) «كتاب التوحيد» لابن خزيمة (1/ 185) .

(8) «مجموع الفَتاوى» (3/ 43) .

(9) «شرح القواعد المثلى» لابن عثيمين (257) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت