النبي صلى الله عليه وسلم بعد تِلاوة الآية «إشارة لِبَيان قلة التَّجَلِّي» [1] .
أي: ما تجلى منه سبحانه إلّا هذا القدر القليل، وهذا يدلُّ على أنه تعالى لا يُحاطُ به علمًا، ولا يُحْصَى ثناءً عليه، بل هو كما أثنى على نفسِه سبحانه بِما يستحقُّه من الكَمال والجَلال.
وفي الإشارة بإصبعه النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الصفة تحقيقًا وتأكيدًا في إثباتها على الحَقيقة، وليس من باب التشبيه والتَّمْثيل.
وانظر رعاكَ الله إلى موقفِ هذا التابعي الجَليل الشديد في حماية جانب التَّوحيد، في إثبات صِفات رَبِّنا المَجيد، الذي هو أوجب الواجبات على العبيد، وأنه ينبغي أن يزجر بالقول، والفعل كل من يَخْتَلِجُ في قلبه شيءٌ من ذلك، في هذا الباب العَظيم.
وقوله رحمه الله: «يقوله صلى الله عليه وسلم، ويقوله أنس، وأكتمه!» : فيه بَيان على تعظيم الإسناد، والآثار في أخذ الأخبار عن الصّادق المصدوق والأصحاب، خاصة في هذا الباب، ولِهذا زَجَرَه بالقول: «من أنت يا حُميد، وما أنت يا حميد؟» ، وبالفعل: «فوكزَه» ، «فضرب صدرَه ضربةً شديدة» ؛ وفيه أكبر دلالة على أهميَّة ذِكْر صِفات رَبِّنا العظيم وتذاكرها، والتحدث بها وعدم كتمانها، حتى أمام العامَّة.
إن الإشارة الحِسِّيَّة في تحقيق الصفات العلِيَّة من هديه صلى الله عليه وسلم [2] ، وقد فهم ذلك الأصحابُ، وكذلك أئمة الهُدى، فقد روى عبد الله بن الإمام أحمد رحمهما الله، أن الإمام أحمد حَدَّثَه فقال: «ثنا يحيى بن سعيد، عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله يُمسك السموات على إصبَع ... » الحديث. قال أبي رحمه الله: «جعل يحيى يُشير بأصابعه، وأراني أبي كيفَ يشير بإصبعه، يضع إصبعًا، إصبعًا، حتى أتى على آخرها» [3] .
(1) «تحفة الأحوزي بشرح جامع الترمذي» لِلْمُباركفوري (8/ 17) .
(2) انظر القاعدة الرابعة عشر.
(3) رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه في «السُّنَّة» (489) ، وصحَّحَ إسنادَه محقِّقُ الكتاب د. سعيد القَحْطاني (1/ 264) .