الصفحة 90 من 351

لله تَعالى منها هو حال الكمال المُقَيَّد» [1] .

فهذا النوع من صِفات الأفعال لا تطلق على الله تعالى على وجه الإطلاق بل على وجه المُقابلة، لأن هذا النوع من «الصِّفات فيها نوعان: قبيح: وهو إيصال ذلك لِمَنْ لا يسحقّه، وحسن: وهو إيصالُه إلى مَنْ يستحقّه، عقوبة له، فالأول: مذموم، والثاني: ممدوح، والرَّبُّ سبحانه إنَّما يفعل من ذلك ما يُحمد عليه عَدْلًا منه، وحكمة» [2] .

وبذلك كانت هذه الصفات على وجه التقييد كمالًا لأنها على وجه المجازاة والعُقوبة بنفس الفعل جزاءً وفاقًا لِمَن اتصف بها، لأن الله جل جلاله يُجازي عبادَه بحسب ما يقوم بهم من الصِّفات مدحًا، وقبحًا، وهذا غاية العدل والقسط، والحكمة «فمن مكر: مكرَ به، ومن خادعَ: خادعَه ... فمكره سبحانه الذي وصف به نفسَه: هو مُجازاته للماكرين بأوليائِه، ورسله، فيُقابل مكرُهم السيئ بمكره الحَسن، فيكون مجازاة، وكذلك المُخادعة منه: جزاء على مخادعة رسلِه وأوليائه، فلا أحسن من تلك المخادعة، والمكر» [3] .

ويلحق بهذه القاعدة: (أن الصفة إذا كانت نقصًا في كل حال، فإنها لا تطلق على الله في أي حال) .

مثل صفة الغدر والخيانة، فإنها مذمومة من كل وجه، لأن الخيانة معناها: الخديعة في مقام الائتمان، ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ولا تخن من خانك» [4] .

ولذا: لما ذكر سبحانه خيانة الكافرين له، لم يقابلهم بنفس صنيعهم، فقال سبحانه: {وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [الأنفال: 71] [5] .

(1) انظر هذه القاعدة في: «مجموع الفتاوى (7/ 111) ، و «الفوائد» (182) ، و «بدائع الفوائد» (4/ 152) ، و «مختصر الصواعق المرسلة» (2/ 291) ، و «الوابل الصيب من الكَلِم الطَّيِّب» (54) ، و «شرح القواعد المثلى» لابن عثيمين (30) .

(2) «إعلام المُوَقِّعين عن رَبِّ العالمين» (3/ 218) .

(3) انظر: «الفوائد» (182 ـ 183) .

(4) صحيح أبي داود (3535) .

(5) انظر: «تفسير سورة البقرة» (1/ 58) ، و «شرح الواسطية» (1/ 262) لابن عثيمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت