كمال، ولهذا يتبين أن الله تعالى أعلى وأعظم من هؤلاء الماكرين على الإطلاق.
وبهذا القيد يكون كمال من كل وجه، لأنه سبحانه لم يقل: أمكر الماكرين، بل قال: {وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} فيكون مكره خيرًا، ولهذا يصح أن نصفَه سبحانه بذلك، فنقول: هو خير الماكرين، أو نصفه بصفة المكر في سبيل المُقابلة، أي: مقابلة من يمكر به، فنقول: إنَّ الله تعالى ماكر بالماكرين، لقوله سبحانه: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ} [الأنفال: 30] .
وبهذا علم أن الله تعالى يتصف بالمَكْر الحسن الذي لا أحسن ولا أكمل منه، وهو إيصال ما يُريد لِمَن يستحقه على وجه الجزاء العادِل الذي لا جور فيه، ولا ذَمّ، بخلاف غيره من خلقِه، فإنَّ مكرهم شيء مذموم، لأنهم يضعونه في غير محلِّه أي: بمن لا يستحقُّه، فهو خيانة وغدر [1] .
(2) الصفة المقيدة (الكَيْد) الكمالية
القُرْآنُ الكَرِيمُ
قال سبحانه وتعالى: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (15) وَأَكِيدُ كَيْدًا} [الطارق: 16] [2] .
المَعْنَى فِي اللُّغَةِ
الكيد: ضرب من الاحتيال فيما يقصده الإنسان، وغلب في المكر، ومنه سُمِّيت الحرب كيداء، كما سميت خدعة، وقد يكون مذمومًا، وممدوحًا، وإن كان يستعمل في المذموم أكثر، فمن الممدوح: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} [يوسف: 76] ، وقوله: وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي
(1) انظر «شرح العقيدة الواسطية» (2/ 69) و «شرح عقيدة أهل السنة» (188) لابن عثيمين، و «اللآلئ البهية» (1/ 452)
(2) وقال عز شأنُه: {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف: 183] . وقال سبحانه: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} [يوسف: 76] .