الصفحة 93 من 351

مَتِينٌ [الأعراف: 183] [1] .

المَعْنَى فِي الشَّرْعِ

هذه الصفة المقيدة كسابقتها ولاحقها من الصِّفات التي لا يجوز إطلاقُها في حَقِّ الله تعالى إلا على جهة الجَزاء، وليست من النوع الذي يُمدح فاعله على الإطلاق، لأنها في مُقابلة من يعامل الفاعل بِمِثل فعله، وهي تدلُّ على أن فاعلَها قادرٌ على مقابلة عدوه بِمِثل فعله أو أشد [2] ، ولهذا كانت في هذا المقام كمال ما بعده كَمال.

وقد قَصَّ لنا رَبُّنا جل جلاله كيف يكيد كفار مكة للرسول صلى الله عليه وسلم كيدًا عظيمًا كما دل التنكير كما في قوله تعالى: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا} ، ولكن الله تعالى يكيدُ بهم كيدًا أعظمَ وأشدَّ من كيدهم جزاءً وفاقًا، عدلًا منه عزَّ شأنُه، فقال: {وَأَكِيدُ كَيْدًا} ، ومن كيدهم ومكرهم به صلى الله عليه وسلم ما ذكره في سورة الأنفال: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} :

الأول: (ليثبتوك) يعني: يحبسوك.

الثاني: (يقتلوك) يعني: يعدموك.

الثالث: (يخرجوك) يعني: يطردوك [3] .

فقابل سبحانه كيدَهم بكيدٍ لا نظير ولا مثيلَ له، كما دلَّ التنكير في قوله: {وَأَكِيدُ كَيْدًا} «والتنكير فيها: للتعظيم، وهكذا يكيد الله عز وجل لكلِّ من انتصر لِدينه، فإنه يكيد له، ويؤيِّده، كما قال تعالى: {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ} [يوسف: 76] ، يعني: عملنا عملًا حصل به مقصودُه دون أن يشعر به أحد، وهذا من فضل الله عز وجل على المرء: أن يقيَه شَرَّ خصمِه

(1) «المُفْرَدات» (728) ، و «عمدة الحُفّاظ» (3/ 441) .

(2) «القواعد المُثْلَى» لابن عثيمين (29) .

(3) «شرح العقيدة الواسطية» لابن عثيمين (2/ 70) بتصرف يسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت