الصفحة 94 من 351

على وجه الكيد، والمكر على هذا الخصم الذي أراد الإيقاع به» [1] .

وهذا الكيد كما تقدَّم هو الحسن الممدوح الذي يُحمد عليه عدلًا منه، وحكمة، بل وفضلًا منه لأوليائه، لأنه سبحانه يكيد لِمَن يُواليه، ويكيد لِمن يُعاديه.

ومن الاستقراء للنُّصوص «أنَّ كيد الله تبارك وتَعالى لا يخرج عن نوعَيْن:

أحدهما ـ وهو الأغلب ـ: أن يفعل تَعالى فعلًا خارجًا عن قدرة العبد الذي كاد له، فيكون الكيدُ قدرًا زائدًا محضًا، ليس هو من باب الشرع، كما كاد أعداء الرسل بانتقامه منهم بأنواع العُقوبات، وكذلك كانت قصة يوسف.

والنوع الثاني من كيدِه سبحانه لِعبده المؤمن: هو أن يُلهمه تَعالى أمرًا مُباحًا، أو مستحبًّا، أو واجبًا يوصله به إلى المقصود الحسن، فيكون على هذا: إلهامه لِيوسف أن يفعل ما فعلَ، هو من كيده تعالى، وقد دَلَّ على ذلك قوله: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ} [يوسف: 76] ... » [2] .

وصور كيده سبحانه لأعدائه، وأعداء رسله، وأصفيائه كثيرة ومتنوعة، منها: أنه يستدرجهم من حيث لا يعلمون، قال سبحانه: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف: 182 ـ 183] ؛ أي: أنه تعالى يواتر نعمَه عليهم مع انهماكهم في الغَيّ، حتى يغترُّوا بما هم فيه من الخير، ظانِّين أن النِّعَم عليهم أثرة من الله تعالى وتقريب، وإنما هو خُذْلان وتبعيد، لأنه من كيدِه سبحانه القوي الشَّديد [3] .

(1) المصدر السابق (2/ 71) .

(2) انظر: «إعلام الموقّعين» (3/ 219) .

(3) «تفسير النَّسَفي» (397) ، وابن كثير (2/ 369) بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت