عليه السلام لِقومه مُوَبِّخًا لهم على صَنيعهم، ومُقَرِّعًا لهم على أذيته وهم يعلمون أنه رسول الله إليهم: {يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} ، وكان من المُفترض أن يكون للرسول الإكرام والتوقير، والتَّعظيم، والانقياد لأوامِرِه التي جاء بها عن رَبِّه سبحانه وتعالى، فلمّا قابلوا ذلك بالزيغ وهو العُدول عن اتِّباع الحَقِّ مع علمهم به {أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} : عقوبة لهم على زَيْغِهم الذي اختاروه لأنفسهم، ورضوه لها، ولم يُوفقهم الله تعالى لِلهُدى، لأنهم لا يَليق بهم الخير، ولا يصلحون إلّا لِلشَّرِّ [1] .
وهذه العُقوبة على الذنب بالذنب [2] ، جزاءً وِفاقًا بالحق، ولهذا قال سبحانه: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} ؛ أي: «الذين لم يَزل الفسق وصفًا لهم، لا لهم قصد في الهُدى، وهذه الآية الكريمة تفيد أنَّ إضلالَ الله تعالى لِعِباده ليس ظُلمًا منه، ولا حجة لهم عليه، وإنَّما ذلك بسببٍ منهم، فإنهم (هم) الذين أغلقُوا على أنفسِهم بابَ الهُدى بعدما عرفوه، فيُجازيهم بعد ذلك بالإضلال والزيغ الذي لا حيلة لهم في دَفْعِه، وتقليب القلوب عقوبة لهم، وعدلًا منه تعالى بهم، كما قال سبحانه: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} [3] [الأنعام: 110] .
(4) الصفة المقيدة (الخِدَاع) الكمالية
القُرْآنُ الكَرِيمُ
قال سبحانه وتعالى: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ} [النساء: 142] .
السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ
(1) انظر: «تفسر ابن كثير» (4/ 473) ، وتفسير السّعدي (859) .
(2) تفسير ابن عطية (5/ 302) .
(3) تفسير السَّعدي (859) .