الصفحة 63 من 91

اسْتُثْقِلَت الكسرةُ على الواوِ فَسُكِّنَتْ، (ثمَّ نُقِلَتْ حَرَكَتُهَا إِلى ما قَبْلَهَا) فَالْتَقَى سَاكِنَانِ الواوُ وَالياءُ، فَحُذِفَت الواوُ فَصَارَ اغْزِي، فَكَسْرَةُ الزَّايِ الذي هوَ ثالِثُ الفعلِ عارضةٌ؛ لأنَّ أصلَهَا الضمُّ لَكِنَّهَا صَارَتْ لازمةً لضرورةِ كَسْرِ ما قبلَ ياءِ المُؤَنَّثَةِ.

تَنْبِيهَاتٌ:

أحدُهَا: لَوْ كانَ ثالِثُ الفعلِ مَضْمُومًا بِضَمَّةٍ لازمةٍ، لَكِنَّهَا عَارِضَةٌ غيرُ أَصْلِيَّةٍ عَكْسَ ما قَبْلَهَا وَجَبَ كَسْرُ همزةِ الوصلِ نَظَرًا إِلى الأَصْلِ، وَلم يَجِئْ فِيهِ الإِشْمَامُ وَلا الضَّمُّ، نَظَرًا إِلى الحالِ. وَبهذا قَيَّدْتُهُ بِقَوْلِي: أَصْلِيَّةٍ.

وَقدْ يَرِدُ ذلكَ على إِطلاقِهِ فَتَقُولُ: إِذا ابْتَدَأْتَ بِنَحْوِ قولِهِ تَعَالَى: {أَنِ امْشُوا} ، {ثمَّ ائْتُوا صَفًّا} ، (اِمْشُوا) ، (اِئْتُوا صَفًّا) بِكَسْرِ الهمزةِ، وَإِنْ كانَ ثالثُ الفعلِ في اللفظِ مَضْمُومًا؛ لأنَّ أَصْلَهُ: امْشِيُو، ائْتِيُوا على وَزنِ اضْرِبُوا، لكن اسْتُثْقِلَت الضمَّةُ على حرفِ العلَّةِ وَهوَ الياءُ فَسُكِّنَ، (ثمَّ نُقِلَتْ حَرَكَتُهُ إِلى ما قَبْلَهُ لِضَرُورَةِ ضَمِّ ما قَبْلَ وَاوِ الجمعِ) ، فَالْتَقَى سَاكِنَانِ؛ الياءُ وَالواوُ، فَحُذِفَ حَرْفُ العلَّةِ وَهوَ الياءُ.

ثانِيهَا: لَعَلَّ الناظمَ رَحِمَهُ اللَّهُ إِنَّمَا أَطْلَقَ قولَهُ أَوَّلًا: (وَبِهَمْزِ الوَصْلِ مُنْكَسِرًا) لِيُشِيرَ إِلى أنَّها زِيدَتْ ساكنةً، ثمَّ حُرِّكَتْ حركةَ التقاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَهوَ الكسرُ، وَإِنَّمَا عَوَّضَ الضَّمُّ فيما ثَالِثُهُ مَضْمُومٌ للمناسبةِ؛ لاسْتِثْقَالِ الانتقالِ مِنْ كسرةٍ إِلى ضمَّةٍ، وَهذا هوَ مَذْهَبُ الجمهورِ غيرِ سِيبَوَيْهِ. وَعندَ سِيبَوَيْهِ أنَّها زِيدَت ابْتِدَاءً مُتَحَرِّكَةً بما حُرِّكَتْ بهِ مِنْ كسرةٍ أَوْ ضمةٍ، وَهوَ ظاهرُ عبارةِ الناظِمِ.

ثالِثُهَا: إِنَّمَا لمْ يَفْتَحُوا همزةَ الوصلِ فيما ثَالِثُهُ مَفْتُوحٌ خَشْيَةَ الْتِبَاسِهَا بهمزةِ المضارعِ المبدوءِ بهمزةِ المُتَكَلِّمِ، فلوْ قُلْتَ: اَذْهَبْ يا زَيدُ بِفَتْحِ الهمزةِ، الْتَبَسَ بِقَوْلِكَ: أَنَا أَذْهَبُ.

رَابِعُهَا: لا يَخْفَى أنَّ مُضَارِعَ أَفْعَلَ بزيادةِ همزةِ القطعِ يَكُونُ ما يَلِي حَرْفَ المضارعةِ سَاكِنًا، فهوَ دَاخِلٌ في عُمُومِ قولِهِ:

... وَبِهَمْزِ الْوَصْلِ مُنْكَسِرًا ... صِلْ سَاكِنًا كَانَ بِالْمَحْذُوفِ مُتَّصِلا

ومعَ ذلكَ فَلَمْ يُوصَلْ عِنْدَ بِنَاءِ صيغةِ الأمرِ منهُ بهمزةِ الوصلِ، لكنْ لا يُرَدُّ عَلَيْهِ لإِفرادِهِ إِيَّاهُ أوَّلًا بالذِّكْرِ، وَإِنَّمَا لمْ يُوصَلْ بهمزةِ وَصْلٍ؛ لأَنَّا قَدْ نَبَّهْنَا على أنَّ أصلَ يُكْرِمُ يُؤَكْرِمُ كَيُدَحْرِجُ، فالساكنُ ثالثُهُ لا ثانِيهِ، وَأنَّهُ إِنَّمَا حُذِفَ ثَانِيهِ لِمَا سَبَقَ مِنَ استِثْقَالِ اجْتِمَاعِ هَمْزَتَيْنِ في قولِكَ:

أَنَا أُؤَكْرِمُكَ

فَلَمَّا كانَ أصلُ ثانِيهِ التحريكَ كَثَانِي يُدَحْرِجُ، لم يُحْتَجْ عندَ بناءِ الأمرِ منهُ إِلى اسْتِجْلابِ همزةِ وَصْلٍ، بلْ رَدُّوا إِليهِ عِنْدَ بِنَاءِ الأمرِ ثَانِيَهُ المحذوفَ منهُ في المضارعِ، وَهوَ هَمْزَةُ القطعِ الزائدةُ. هذا كُلُّهُ حُكْمُ صيغةِ الأمرِ المَقِيسَةِ.

وَأمَّا القِسْمُ الثاني وَهوَ الشَّاذُّ، فهوَ ثلاثةُ أفعالٍ فَقَطْ: خُذْ وَكُلْ وَمُرْ، وَقدْ أَشَارَ إِليها بِقَوْلِهِ:

وَشَذَّ بِالْحَذْفِ خُذْ وَكُلْ وَمُرْ

أيْ: إِنَّها شَذَّتْ عَنْ قِيَاسِ نَظَائِرِهَا مِنْ حيثُ إِنَّ ثَانِيَ مُضَارِعِهَا ساكِنٌ، / وَلم يَتَوَصَّلُوا إِليها بِهَمْزَةِ وَصْلٍ، بلْ حَذَفُوا ثَانِيَهَا الساكنَ أيضًا، فَقَالُوا في الأمرِ مِنْ نَأْخُذُ وَمِنْ نَأْمُرُ وَنَأْكُلُ الَّتِي هيَ على وَزنِ نَدْخُلُ وَنَخْرُجُ: خُذْ وَمُرْ وَكُلْ؛ تَخْفِيضًا لكثرةِ اسْتِعْمَالِهِمْ لهذهِ الكلماتِ، وَكانَ قِيَاسُهَا: اُؤْمُرْ اُؤْخُذْ اُؤْكُلْ، بهمزةِ وَصْلٍ مضمومةٍ ثمَّ هَمْزَةٍ ساكنةٍ، هيَ فاءُ الكلمةِ؛ لأنَّها على وَزنِ تَدْخُلُ وَتَخْرُجُ، وَصيغةُ الأمرِ منها ادْخُل اخْرُجْ، وَهذا إِذا لمْ يُسْتَعْمَلْ معَ مُرْ حُرُوفُ العطفِ، فَإِن اسْتُعْمِلَ مَعَهُ جَازَ فيهِ وَجْهَانِ: الحَذْفُ فَتَقُولُ: وَمُرْ بِكَذَا، وَالتَّتْمِيمُ على الأصلِ، نَحْوُ: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ} ، مِثْلُ: وَادْخُلْ وَاخْرُجْ، وَإِلى ذلكَ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:

.وَفَشَا ... وَأْمُرْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت