الصفحة 64 من 91

أيْ: وَفَشَا تَتْمِيمُ كلمةِ (مُرْ) معَ حَرْفِ العطفِ، وَمعَ كَوْنِهِ فَاشِيًا، فالحذفُ أَكْثَرُ منهُ. وَأمَّا (خُذْ وَكُلْ) فَلَمْ يَسْتَعْمِلُوهُمَا معَ العطفِ وَدُونَهُ تَامَّيْنِ إلاَّ في النُّدُورِ، وَهوَ مَعْنَى قولِهِ:

.... وَمُسْتَنْدَرٌ تَتْمِيمُ خُذْ وَكُلا

أيْ: تَتْمِيمُهُمَا بِهَمْزَةِ وَصْلٍ مضمومةٍ على قياسِ نَظَائِرِهِمَا نَادِرٌ. وَالأَلِفُ في قَوْلِهِ: وَكُلا، بَدَلٌ مِنْ نُونِ التَّوْكِيدِ الخَفِيفَةِ.

تَتِمَّاتٌ:

الأُولَى: اعْلَمْ أَنَّ كَوْنَ الكلمةِ وَرَدَتْ عَن العَرَبِ شَاذَّةً عَن القياسِ لا يُنَافِي فَصَاحَتَهَا، كَمَا في: حَسِبَ يَحْسِبُ، وَأَكْرَمَ يُكْرِمُ، وَمُرْ، وَخُذْ، وَكُلْ؛ لأنَّ المرادَ بالشاذِّ مَا جاءَ على خلافِ القياسِ، وَبالفصيحِ ما كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُمْ لهُ.

وَأمَّا النادرُ فهوَ ما يَقِلُّ وُجُودُهُ في كلامِهِم، سَوَاءٌ خَالَفَ القياسَ أمْ وَافَقَهُ.

وَالضعيفُ ما في ثُبُوتِهِ عَنْهُم نِزَاعٌ بينَ عُلَمَاءِ العَرَبِيَّةِ.

وَقدْ يُرْشِدُ إِلى ما ذَكَرْنَاهُ مُغَايَرَةُ الناظمِ رَحِمَهُ اللَّهُ في العبارةِ بِقَوْلِهِ: وَشَذَّ وَفَشَا وَمُسْتَنْدَرٌ؛ فإِنَّ الحذفَ لَمَّا كانَ في هذهِ الثلاثةِ الأفعالِ مُخَالِفًا للقياسِ كانَ شَاذًّا، وَلكنَّهُ معَ شُذُوذِهِ أَفْصَحُ مِن التَّتْمِيمِ.

فَلِهَذَا قَالَ: وَشَذَّ بِالحَذْفِ مُرْ وَخُذْ وَكُلْ. وَلَمَّا كانَ تَتْمِيمُ (مُرْ) معَ حَرْفِ العطفِ كَثِيرًا مُسْتَعْمَلًا، لَكِنَّ الحذفَ أَكْثَرُ منهُ قَالَ: وَفَشَا (وَأْمُرْ) . وَلَمَّا كانَ تَتْمِيمُ كُلْ وَخُذْ قَلِيلَ الوجودِ في اسْتِعْمَالِهِمْ، قَالَ: وَمُسْتَنْدَرٌ تَتْمِيمُ خُذْ وَكُلًا.

الثانيةُ: ما ذَكَرَهُ الناظمُ رَحِمَهُ اللَّهُ في الفَصْلِ هوَ الأمرُ بالصيغةِ، وَهوَ يَخْتَصُّ بالمُخَاطَبِ. فإِنْ أُرِيدَ أَمْرُ الغائبِ أُدْخِلَ على الفعلِ المضارعِ لامُ الأمرِ معَ بقاءِ حرفِ المضارعةِ، وَصَارَ حِينَئِذٍ مُعْرَبًا بالجَزْمِ.

وَلمْ يَأْتِ فيهِ شيءٌ مِمَّا سَبَقَ في هذا الفصلِ مِنْ حَذْفِ حَرْفِ المضارعةِ، وَلا زيادةِ همزةِ الوصلِ، وَلا شُذُوذٍ في مُرْ وَخُذْ وَكُلْ، وَذلكَ نَحْوُ: لِيَضْرِبْ، وَلْيُكْرِمْ، وَلْيَقُمْ، وَلْيَنْطَلِقْ، وَلْيَسْتَخْرِجْ، وَلْيَأْخُذْ، وَلْيَأْكُلْ.

الثالثةُ: الأَمْرُ بالصيغةِ مَبْنِيٌّ على الراجحِ، وَهوَ مذهبُ البَصْرِيِّينَ، إلاَّ أَنَّهُ أُجْرِيَ في بِنَائِهِ مُجْرَى المضارعِ المجزومِ. وَمَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أَنَّهُ مُعْرَبٌ بالجزمِ، وَاسْتَدَلُّوا بإِعْطَائِهِ حُكْمَ المُضَارِعِ المجزومِ مِنْ حَذْفِ الحركةِ في الصحيحِ، وَحذفِ الآخِرِ في المُعْتَلِّ، وَحذفِ النونِ التي هيَ علامةُ الرفعِ في الأمثلةِ الخمسةِ، كَافْعَلا وَافْعَلُوا وَافْعَلِي.

وَعِنْدَهُم أنَّ الجازمَ لهُ لامُ الأمرِ مُقَدَّرَةً. وَرَدَّهُ البَصْرِيُّونَ بِأَنَّ إِضْمَارَ الجازمِ ضَعِيفٌ كإِضْمَارِ الجارِّ، وَبِأَنَّ الأصلَ في الفعلِ البناءُ، وَالأمرُ لمْ يُشْبِه الاسمَ كَمَا أَشْبَهَهُ المضارعُ فَيُعْرَبُ، وَإِنَّمَا حُذِفَتْ مِنْهُ الحَرَكَةُ وَنُونُ الرفعِ؛ لأنَّها علاماتُ الإِعرابِ، وَهوَ غيرُ مُعْرَبٍ.

بابُ أَبْنِيَةِ أَسْمَاءِ الْفَاعِلِينَ وَالمَفْعُولِينَ:

مَبْحَثُ أسماءِ الفَاعِلِينَ [بِمَا في ذلكَ الصِّفَاتُ المُشَبَّهَةُ]

وضابِطُ البَابِ: أنَّ الأَبْنِيَةَ فيهِ على ضَرْبَيْنِ: قِيَاسِيٍّ وَسَمَاعِيٍّ. وَالقِيَاسِيُّ إِنَّمَا يُصَاغُ مِن الثلاثيِّ أَوْ مِنْ أَكْثَرَ منهُ، وَالثلاثيُّ إِمَّا مَفْتُوحُ العينِ لازمًا أَوْ مُتَعَدِّيًا، أَوْ مَكْسُورُهَا كذلكَ، أَوْ مَضْمُومُهَا لازمًا فقطْ، أمَّا فَعَلَ المفتوحُ لازمًا وَمُتَعَدِّيًا، وَفَعِلَ المَكْسُورُ مُتَعَدِّيًا فَقَطْ، فَأَشَارَ الناظمُ رَحِمَهُ اللَّهُ إِلى بِنَاءِ اسمِ الفاعلِ مِنْهُمَا بِقَوْلِهِ:

كَوَزْنِ فَاعِلٍ اسْمُ فَاعِلٍ جُعِلا ... مِنَ الثُّلاثِي الَّذِي مَا وَزْنُهُ فَعُلا

أيْ: يُصَاغُ مِن الفعلِ الثلاثيِّ الذي لَيْسَ وَزْنُهُ على فَعُلَ بالضَّمِّ، بلْ على فَعَلَ بالفتحِ أَوْ فَعِلَ بالكسرِ، كَفَاعِلٍ، أيْ على وَزْنِ فاعلٍ، نحوُ: ذَهَبَ فهوَ ذَاهِبٌ، وَضَرَبَهُ فَهُوَ ضَارِبٌ، وَنحوُ: شَرِبَهُ فَهُوَ شَارِبٌ، وَعَلِمَهُ فهوَ عَالِمٌ. وَكَثْرَةُ الأمثلةِ تُعْرَفُ مِمَّا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت