فهرس الكتاب
وَالمُمِضُّ: المُوجِعُ، وَجَلا مَعْنَاهُ وَزْنُ فُعَالٍ أَظْهِرْ مَصْدَرَهُ، فالمَعْنَى هوَ المَصْدَرُ، وَهوَ مفعولٌ بهِ، وَوَزْنُ فُعَالٍ فَاعِلُهُ. وَكذا أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
.وَلِذِي ... فِرَارٍ أَوْ كِفِرَارٍ بِالْفِعَالِ جَلا
إِلى ما ذَكَرْنَاهُ مِنْ أنَّ شرطَ اطِّرَادِ فُعُولٍ فيهِ ألاَّ يَكُونَ فِعْلَ فِرَارٍ وَشَبَهِهِ، فإِنْ كانَ كذلكَ فَمَصْدَرُهُ بالفِعَالِ بالكَسْرِ. جَلا بالقصرِ وَالمَدِّ؛ أيْ: وُضُوحٌ وَظُهُورٌ، نحوُ: شَرَدَ شِرَادًا، وَفَرَّ فِرَارًا، وَأَبَقَ إِبَاقًا.
وَالمرادُ بِشَبَهِهِ مَا يَدُلُّ على امْتِنَاعٍ كَأَبَى إِبَاءً، وَنَفَرَ نِفَارًا، وَجَمَحَ جِمَاحًا.
وَكذا أَشَارَ بِقَوْلِهِ:
فَعَالَةٌ لِخِصَالٍ وَالفِعَالَةَ دَعْ ... لِحِرْفَةٍ أَوْ وِلايَةٍ وَلا تَهِلا
إِلى ما ذَكَرْنَاهُ مِنْ أنَّ شَرْطَ اطِّرَادِ الفُعُولِ فيهِ ألاَّ يُصَاغَ مِنْ فِعْلِ حِرْفَةٍ أَوْ ولايةً، فإِنْ كانَ كذلكَ فَقِيَاسُهُ الفِعَالَةُ كالكِتَابَةِ وَالتِّجَارَةِ وَالوِلايةِ.
وَقولُهُ: (وَلا تَهِلا) ؛ أيْ: وَلا تَنْسَ ما ذَكَرْتُهُ لَكَ.
وَأمَّا قولُهُ: (فَعَالَةٌ لِخِصَالٍ) بالرفعِ، فَقَالَ بَدْرُ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ: الخِصَالُ إِنَّمَا تَنْبَنِي مِنْ فَعُلَ المضمومِ، نحوُ: نَظُفَ نَظَافَةً.
قَالَ: وَقدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَصْدَرَهُ يَجِيءُ على فَعَالَةٍ وَفُعُولَةٍ كالشَّجَاعَةِ وَالسُّهُولَةِ.
فَقَوْلُهُ هُنَا (فَعَالَةٌ لِخِصَالٍ) إِعادَةٌ مَحْضَةٌ، انْتَهَى.
وعندي أَنَّهُ ليسَ بإِعادةٍ مَحْضَةٍ بلْ هوَ بيانٌ لِمَعْنًى أَعَمَّ مِن الأوَّلِ؛ فإِنَّهُ ذَكَرَ فيما مَضَى أنَّ فَعُلَ بالضمِّ يَجِيءُ مَصْدَرُهُ مَقِيسًا فَعَالةً وَفُعُولةً، وَأَرَادَ هنا أَنْ يُبَيِّنَ أنَّ أَفْعَالَ الخِصَالِ مِنْ أيِّ فِعْلٍ كَانَتْ تُصَاغُ على فَعَالَةٍ، كَظَرُفَ ظَرَافَةً، وَفَطَنَ فَطَانَةً، وَغَبِيَ غَبَاوَةً، وَغَوَى غَوَايَةً، وَسَعِدَ سَعَادةً، وَرَجَحَ عَقْلُهُ رَجَاحَةً.
وَقدْ صَرَّحَ بِمِثْلِ ذلكَ غَيْرُهُ.
تَنْبِيهٌ: أَهْمَلَ الناظمُ رَحِمَهُ اللَّهُ ما دَلَّ على سَيْرٍ أَوْ تَقَلُّبٍ، وَهما أيضًا مُسْتَثْنَيَانِ مِنْ مَقِيسِ المفتوحِ اللازمِ؛ لأنَّ قِيَاسَ ما يَدُلُّ على السَّيْرِ الفَعِيلُ كَزَمَلَ البعيرُ زَمِيلًا، وَرَحَلَ رَحِيلًا، وَدَبَّ دَبِيبًا، وَقِيَاسُ ما يَدُلُّ على التَّقْلِيبِ الفَعَلانُ مُحَرَّكًا، كَجَالَ جَوَلانًا.
وَهذا هوَ البناءُ العاشرُ؛ لأنَّا ذَكَرْنَا أنَّ مَقِيسَ الثلاثيِّ عَشَرَةٌ، وَلم يُورِد النَّاظِمُ إلاَّ تِسْعَةً، وَقدْ ذَكَرَهُ لَكَ في الخُلاصَةِ، وَيَتَحَصَّلُ أيضًا مِمَّا ذُكِرَ أنَّ الفُعَالَ بالضمِّ مُشْتَرِكٌ بينَ الصَّوْتِ [والدَّاءِ، وَكذا الفَعِيلُ مُشْتَرِكٌ بينَ الصَّوْتِ] وَالسَّيْرِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
اسْمُ المَرَّةِ وَاسْمُ الهَيْئَةِ
ثُمَّ لَمَّا أَنْهَى الكلامَ على مصادرِ الثلاثيِّ إِجْمَالًا وَتَفْصِيلًا أَتْبَعَهَا بِذِكْرِ نَوْعٍ منها، فَقَالَ:
لِمَرَّةٍ فَعْلَةٌ وَفِعْلَةً وَضَعُوا ... لِهَيْئَةٍ غَالِبًا كَمِشْيَةِ الْخُيَلا
أيْ إِنَّهُم وَضَعُوا للدلالةِ على المَرَّةِ مِنْ مَصْدَرِ الثلاثيِّ المُجَرَّدِ فَعْلَةً بفتحِ الفاءِ، وَللدلالةِ على الهَيْئَةِ منهُ فِعْلَةً بكسرِهَا لازمًا كانَ الفعلُ أَوْ مُتَعَدِّيًا، مفتوحَ العينِ أَوْ مكسورَهَا.
أمَّا المَرَّةُ فنحوُ: جَلَسَ جَلْسَةً، وَضَرَبَ ضَرْبَةً؛ أيْ: وَاحدةً منهُ، وَكذا فَرِحَ فَرْحَةً، وَشَرِبَ شَرْبَةً.
وَأمَّا الهَيْئَةُ وَهيَ الحالةُ التي يَكُونُ عَلَيْهَا الفَاعِلُ حالَ مُبَاشَرَتِهِ للفِعْلِ، نحوُ: حَسَنُ الجِلْسَةِ وَالرِّكْبَةِ، وَمَشَى مِشْيَةَ الخُيَلاءِ، وَسَارَ سِيرَةً حَسَنَةً.