الصفحة 79 من 91

وَكذا قَالُوا في مصدرِ فَعَّلَ المُضَعَّفِ تَفْعَالٌ أيضًا للدلالةِ على الكثرةِ كَطَوَّفَ تَطْوَافًا، وَقدْ نَبَّهْنَا على ذلكَ قَرِيبًا. وَمِنْ ذلكَ أَنَّهُ قدْ يَجِيءُ مَصْدَرُ الثلاثيِّ على فِعِّيلَى بكسرِ الفاءِ وَالعينِ المُشَدَّدَةِ للدلالةِ على المُبالغةِ، كقولِهِم: خَصَّهُ بالشيءِ خِصِّيصَى، وَحَثَّهُ على الأمرِ حِثِّيثَى.

وَرُبَّمَا جَاءَ ذلكَ في مَصْدَرِ تَفَاعَلَ، وَهوَ الخُمَاسِيُّ المَبْدُوءُ بالتاءِ بدلًا عَنْ مَصْدَرِهِ، وَهوَ التَّفَاعُلُ كَقَوْلِهِمْ: تَرَامَى اللَّوْمُ رِمِّيًّا، بدلًا مِنْ تَرَامِيًا. وَمنْ ذلكَ قَوْلُهُمْ في مَصْدَرِ افْعَلَّلَ وَهوَ السُّدَاسِيُّ المبدوءُ بالهمزةِ: فُعَلِّيلَةٌ، كَاقْشَعَرَّ قُشَعْرِيرَةً، وَاطْمَأَنَّ عَلَيْهِ طُمَأْنِينَةً،

وَقدْ سَبَقَ أنَّ قِيَاسَهُ الإِفْعِلاَّلُ بِكَسْرِ ثالثِهِ وَمدِّ ما قَبْلَ آخِرِهِ، كَاقْشَعَرَّ اقْشِعْرَارًا، وَاسْتَقَرَّ اسْتِقْرَارًا، وَسَبَقَ أيضًا التَّنْبِيهُ على هذا.

وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ: مُسْتَغْنِيًا لا لُزُومًا، إِلى أنَّ ذلكَ إِنَّمَا جَاؤُوا بهِ على سبيلِ النِّيَابَةِ عَن المصدرِ المَقِيسِ، لا على سَبِيلِ اللُّزُومِ وَالاطِّرَادِ. وَقولُهُ: (فَاعْرِفِ الْمُثُلا) بضمِّ الميمِ، جَمْعُ مِثَالٍ؛ أيْ: فَاعْرِفِ المَقِيسَ منها المُطَّرِدَ مِن السماعيِّ المحفوظِ لِتُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا.

تَنْبِيهٌ: ما ذَكَرَهُ الناظمُ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ أنَّ القُشَعْرِيرَةَ وَنحوَهَا مِنْ أمثلةِ المصادرِ لَعَلَّهُ اختارَهُ، وَإلاَّ فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ أنَّها لَيْسَتْ مَصَادِرَ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا هيَ اسمُ مصدرٍ وُضِعَتْ مَوْضِعَهُ كَمَا في اغْتَسَلَ غُسْلًا وَتَوَضَّأَ وُضُوءًا، وَالمَصْدَرُ الحَقِيقِيُّ اغْتِسَالًا وَتَوَضُّؤًا. وَما ذَكَرَهُ أيضًا مِنْ كَوْنِ التَّسْيَارِ وَنحوِهِ مِنْ مصادرِ فَعَّلَ المُضَعَّفِ هوَ مَذْهَبُ الفَرَّاءِ وَغيرِهِ مِن الكوفِيِّينَ، وَكأنَّهُ اخْتَارَهُ، وَذلكَ أيضًا ظَاهِرُ التسهيلِ.

لَكِنَّ مَذْهَبَ سِيبَوَيْهِ وَسَائرِ البَصْرِيِّينَ أنَّها مِنْ مصادرِ الثلاثيِّ، وَجِيءَ بها كذلكَ لِقَصْدِ التكثيرِ، كما جِيءَ بالخِصِّيصَى وَنحوِهَا للمبالغةِ معَ الاتِّفَاقِ على أَنَّهُ مِن الثلاثيِّ كما سَبَقَ لا مِن المزيدِ عَلَيْهِ.

ثُمَّ أَشَارَ إِلى النوعِ السادسِ، وَهوَ مَصْدَرُ الرُّبَاعِيِّ الذي هوَ مِنْ مَزِيدِ الثلاثيِّ بزيادةِ أَلِفٍ بينَ فَائِهِ وَعَيْنِهِ، بِقَوْلِهِ:

لِفَاعَلَ اجْعَلْ فِعَالًا أَوْ مُفَاعَلَةً

أيْ إِنَّ فَاعَلَ لهُ مَصْدَرَانِ مَقِيسَانِ، وَهُمَا: الفِعَالُ بِكَسْرِ الفاءِ مُخَفَّفًا، وَالمُفَاعَلَةُ، نحوُ: قَاتَلَ مُقَاتَلَةً وَقِتَالًا، وَجَادَلَ جِدَالًا وَمُجَادَلَةً.

تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كلامِهِ هنا وَفي الخلاصةِ أيضًا؛ حيثُ قَالَ: (لِفَاعَلَ الفِعَالُ وَالمُفَاعَلَةُ) ، أنَّ كُلاًّ مِن المَصْدَرَيْنِ مَقِيسٌ. وَالمَنْقُولُ عَنْ سيبويهِ أنَّ المقيسَ المُفَاعَلَةُ لا غيرُ، وَاحْتَجَّ بأنَّهُمْ قدْ يَتْرُكُونَ الفِعَالَ وَلا يَتْرُكُونَ المُفَاعَلَةَ؛ لأنَّها تَنْفَرِدُ غالبًا بِمَا فَاؤُهُ يَاءٌ، نحوُ: يَاسَرَهُ مُيَاسَرَةً، وَيامَنَهُ مُيَامَنَةً، وَلا يَأْتِي فيهِ الفِعَالُ لاسْتِثْقَالِ الكسرةِ على الياءِ، إلاَّ ما نَدُرَ فيما حَكَاهُ ابنُ سِيدَهْ مِنْ قولِهِم: يَاوَمَهُ مُيَاوَمَةً وَيِوَامًا. ثمَّ أَشَارَ إِلى غَيْرِ المَقِيسِ في فَاعَلَ بِقَوْلِهِ:

.... وَفِعْلَةٌ عَنْهُمَا قَدْ نَابَ فَاحْتُمِلا

أيْ إِنَّ فِعْلَةً بِكَسْرِ الفاءِ قدْ تَنُوبُ عَنِ الفِعَالِ وَالمُفَاعَلَةِ في فَاعَلَ، نحوُ: مَارَاهُ مُمَارَاةً وَمِرَاءً وَمِرْيَةً أيضًا.

تَنْبِيهَانِ:

أَحَدُهُمَا: ظَاهِرُ كلامِهِ أنَّ الفِعْلَةَ مَصْدَرٌ حَقِيقِيٌّ لِفَاعَلَ، وَالمشهورُ أَنَّهُ اسمُ مَصْدَرٍ كَتَوَضَّأَ وُضُوءًا.

والثاني: مِن المصادرِ السماعيَّةِ لفَاعَلَ أيضًا الفِيعَالُ بِكَسْرِ الفاءِ، وَلم يَذْكُرْهُ؛ كَضَارَبَ ضِيرَابًا. ثمَّ أَشَارَ بِقَوْلِهِ:

مَا عَيْنُهُ اعْتَلَّتِ الإِفْعَالُ مِنْهُ وَالاسْـ ... ـتِفْعَالُ بِالتَّا وَتَعْوِيضٌ بِهَا حَصَلا

مِنَ الْمُزَالِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت