فهرس الكتاب
لكنْ لَمَّا كانَ المَوْعِدُ وَنحوُهُ بالكسرِ أَخَفَّ مِن المَوْعَدِ بالفتحِ بشَهَادَةِ الذَّوْقِ الْتَزَمُوا فيهِ الكَسْرَ مُطْلَقًا مَصْدَرًا كَانَ أَوْ ظرفًا، وَعكسُهُ المَوْلَى وَنحوُهُ؛ حَيْثُ الْتَزَمُوا فيهِ الفتحَ مُطْلَقًا؛ لِخِفَّةِ الفتحِ فيهِ وَلإِفضاءِ الكسرِ إِلى صَيْرُورَةِ الاسمِ مَنْقُوصًا.
ثُمَّ أَشَارَ إِلى القسمِ الثاني، وَهوَ السَّمَاعِيُّ، بِقَوْلِهِ:
..... وَشَذَّ الَّذِي عَنْ ذَلِكَ اعْتُزِلا
أيْ: وَما خَرَجَ عَن الضابطِ فَشَاذٌّ يُحْفَظُ وَلا يُقَاسُ عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّ الشاذَّ على ضَرْبَيْنِ: ضَرْبٌ جاءَ فيهِ معَ الشُّذُوذِ القياسُ أيضًا، وَضربٌ جاءَ شَاذًّا فقطْ. وَقدْ أَشَارَ إِلى الضَّرْبِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ:
مَظْلَمَةٌ مَطْلَعُ الْمَجْمَعِ مَحْمَدَةٌ ... مَذَمَّةٌ مَنْسَكٌ مَضَنَّةُ الْبُخَلا
مَزَلَّةٌ مَفْرَقٌ مَضَلَّةٌ وَمَدَبٌّ ... مَحْشَرٌ مَسْكَنٌ مَحَلُّ مَنْ نَزَلا
وَمَعْجَزٌ وَبِتَاءٍ ثُمَّ مَهْلَكَةٌ ... مَعْتَبَةٌ مَفْعَلٌ مِنْ ضَعْ وَمِنْ وَجِلا
مَعْهَا مِنِ احْسِبْ وَضَرْبٍ وَزْنُ مَفْعَلَةٍ ... مَوْقِعَةٌ كُلُّ ذَا وَجْهَاهُ قَدْ حُمِلا
فقولُهُ: (مَظْلَمَةٌ) بالرَّفْعِ: إِمَّا بدلٌ مِنْ فَاعِلِ شَذَّ أَوْ خَبَرُ مبتدأٍ محذوفٍ تقديرُهُ: وَهيَ مَظْلَمَةٌ، وَما بَعْدَهُ معطوفٌ بحذفِ العاطفِ، وَقولُهُ: (مَعْهَا مِنِ احْسِبْ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (وَزْنُ مَفْعَلَةٍ) ، وَهوَ معطوفٌ أيضًا على (مَظْلَمَةٌ) ،
وَكذا: مَوْقَعَةٌ. وَحُمِلَ بضمِّ الحاءِ؛ أيْ: فهذهِ كُلُّهَا قدْ حَمَلَ الرواةُ فيها عَنِ العربِ وَجْهَيْنِ، فمِنْ ذلكَ المصدرُ مِنْ ظَلَمَ يَظْلِمُ يُقَالُ فيهِ: مَظْلَمَةً وَمَظْلِمَةً، بالفتحِ على القياسِ وَالكسرِ شاذٌّ، وَقياسُ الظرفِ منهُ الكسرُ؛ لأنَّ مُضَارَعَهُ يَفْعِلُ بالكسرِ.
وَفي القاموسِ: المَظْلِمَةُ بكسرِ اللامِ: ما يَظْلِمُهُ الرَّجُلُ، فَجَعَلَهَا مفعولًا بهِ لا مصدرًا.
وَمنهُ المصدرُ مِنْ طَلَعَ يَطْلُعُ، قَالُوا فيهِ: المَطْلَعُ وَالمَطْلِعُ،
وَالقياسُ فَتْحُ مَصْدَرِهِ وَظَرْفِهِ مَعًا، لأنَّ مُضَارِعَهُ يَفْعُلُ بالضمِّ.
قَالَ بدرُ الدِّينِ: وَإِذا أُرِيدَ المكانُ قِيلَ المَطْلِعُ بالكسرِ لا غَيْرُ، وَهوَ يَقْتَضِي أنَّ ظَرْفَهُ مِمَّا شَذَّ بِكَسْرٍ مُنْفَرِدًا، فيكونُ مِن الضربِ الثاني، وَلم يَذْكُرْهُ الناظمُ. وَفي القاموسِ: طَلَعَ مَطْلَعًا وَمَطْلِعًا، وَهما للمَوْضِعِ، انْتَهَى.
فَنُقِلَ بِوَجْهَيْنِ في ظرفِهِ أيضًا، وَإِطلاقُ النظمِ يَقْتَضِيهِ. وَمنهُ المكانُ مِنْ جَمَعَ يَجْمَعُ، قَالُوا: المَجْمَعُ وَالمَجْمِعُ، وَالقياسُ فَتْحُ مَصْدَرِهِ وَظرفِهِ معًا؛ لأنَّ مُضَارِعَهُ يَفْعَلُ بالفتحِ، وَمنهُ المصدرُ مِنْ حَمَدَ يَحْمَدُ كَفَرِحَ يَفْرَحُ، وَمِنْ ذَمَّ يَذُمُّ كَنَصَرَ يَنْصُرُ، قَالُوا فيهما: المَحْمَدَةُ وَالمَحْمِدَةُ، وَالمَذَمَّةُ وَالمَذِمَّةَ، وَالقياسُ الفتحُ في مصدرِهِ وَظرفِهِ،
وَمنهُ المكانُ مِنْ نَسَكَ يَنْسُكُ كَنَصَرَ يَنْصُرُ بِمَعْنَى عَبَدَ، قَالُوا فيهِ: المَنْسَكُ وَالمَنْسِكُ، وَالقياسُ فَتْحُ مصدرِهِ وَظرفِهِ معًا، وَلهذا إِذا أَرَادُوا المصدرَ قَالُوا: المَنْسَكُ بالفتحِ لا غَيْرُ.
وَمنهُ المصدرُ مِنْ ضَنَّ بالشيءِ يَضِنُّ كَحَنَّ يَحِنُّ بِمَعْنَى بَخِلَ بهِ، قَالُوا فيهِ: المَضَنَّةَ وَالمَضِنَّةَ، فقياسُ مصدرِهِ الفتحُ، وَظرفِهِ الكَسْرُ، كَضَرَبَ يَضْرِبُ، وَفِيهِ لُغَةٌ كَفَرِحَ يَفْرَحُ، فقياسُ المصدرِ وَالظرفِ معًا عليهما الفتحُ.
وَلَعَلَّ الناظمَ أَضَافَهُ إِلى البُخْلِ لِئلاَّ يَشْتَبِهَ بالمَظِنَّةِ مِنْ ظَنَّ بِمَعْنَى حَسِبَ، وَسَيَأْتِي.
وَمنهُ المكانُ مِنْ زَلَّ يَزِلُّ كَجَنَّ يَجِنُّ بِمَعْنَى أَخْطَأَ، قَالُوا فيهِ: مَزَلَّةُ أَقْدَامٍ وَمَزِلَّةُ، فَالكسرُ هوَ قياسُ ظرفِهِ كَضَرَبَ يَضْرِبُ، وَقياسُ مصدرِهِ الفتحُ، لكنْ في القاموسِ زَلَلْتُ مَزِلَّةً بكسرِ الزَّايِ وَزَلَلًا، وَمُقْتَضَاهُ: أنَّ المصدرَ جَاءَ منهُ مَكْسُورًا، فيكونُ مِن الضربِ الثاني.