فهرس الكتاب
وَقَضِيَّةُ الحُكْمِ بِشُذُوذِهِ: أنَّ مُضَارِعَهُ مَضْمُومٌ كَنَصَرَ يَنْصُرُ.
وَمُقْتَضَى القاموسِ أنَّ المشهورَ فيهِ الكسرُ؛ لأنَّ وَزْنَهُ ضَرَبَ يَضْرِبُ.
ثُمَّ قَالَ: وَقدْ يُضَمُّ آتِيهِ؛ أيْ: مُضَارِعُهُ، فَعَلَى ما في القاموسِ كَسْرُ ظَرْفِهِ هوَ القياسُ.
نَعَمْ في نُسَخٍ مِن التسهيلِ بَدَلَ المَجْزِرِ المَزْجِرِ بِتَقْدِيمِ الزاي مِنْ زَجَرَ الكلبَ يَزْجُرُ كَنَصَرَ يَنْصُرُ، وَقدْ قَالُوا فيهِ: قَعَدَ مِنِّي مَزْجِرَ الكلبِ بالكَسْرِ، فَوَجْهُ شُذُوذِهِ ظَاهِرٌ. وَهذهِ أيضًا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَزْنًا شاذَّةٌ بالكسرِ على ما في المَأْوَى وَالمَجْزَرِ مِن الاضطرابِ.
ثُمَّ أَتْبَعَهَا الناظمُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى بما جَاءَ معَ شُذُوذِهِ مُثَلَّثَ العينِ، فَقَالَ:
.ثُمَّ مَفْعِلَةَ اقْدُرْ وَاشْرُقَنْ بِخَلا
وَاقْبُرْ وَمِنْ أَرَبٍ وَثَلِّثَ ارْبَعَهَا ... كَذَا لِمَهْلِكٍ التَّثْلِيثُ قَدْ بُذِلا
أيْ: ثمَّ صِلْ أيضًا بِمَفْعَلَةٍ اقْدُرْ، فَقَالُوا في المصدرِ مِنْ قَدَرَ يَقْدِرُ كَضَرَبَ يَضْرِبُ: المَقْدَرَةُ. وَمنْ أَرِبَ الرجلُ يَأْرَبُ كَفَرِحَ يَفْرَحُ، بِمَعْنَى صَارَ أَرِيبًا عَاقِلًا: المَأْرَبَةُ. وَفي المكانِ مِنْ شَرَقَت الشمسُ تَشْرُقُ كنَصَرَ يَنْصُرُ: المَشْرَقَةُ، لِمَوْضِعِ القعودِ فيها عندَ شُرُوقِهَا. وَفي المكانِ مِنْ قَبَرَ المَيِّتَ يَقْبُرُهُ وَيَقْبِرُهُ أيضًا: المَقْبِرَةُ لِمَوْضِعِ دَفْنِ المَوْتَى بِتَثْلِيثِ العَيْنِ في هذهِ الأربعةِ الأَوْزَانِ: فالضَّمُّ شَاذٌّ مُطْلَقًا.
وَكذا كَسْرُ المَصْدَرِ مِنْ قَدَرَ وَأَرِبَ؛ لأنَّ قياسَ قَدَرَ فَتْحُ مَصْدَرِهِ وَكَسْرُ ظَرْفِهِ، وَقياسَ أَرِبَ فَتْحُ مَصْدَرِهِ وَظَرْفِهِ مَعًا.
وَكذا كَسْرُ الظرفِ مِنْ شَرَقَ شاذٌّ؛ إِذْ قياسُهُ فَتْحُ مصدرِهِ وَظرفِهِ معًا.
وَأمَّا قَبَرَ فَفَتْحُ ظرفِهِ قياسُ ضَمِّ مضارعِهِ، وَكسرُهُ قياسُ كَسْرِهِ، ففي إِيرَادِ الناظمِ لهُ فيما شَذَّ بالكسرِ نَظَرٌ.
وَقولُهُ: (وَثَلِّثَ ارْبَعَهَا) بنقلِ فتحِ الهمزةِ مِنْ (أَرْبَعَهَا) إِلى ثاءِ (ثَلِّثْ) ، وَقالُوا أيضًا في المصدرِ مِنْ هَلَكَ يَهْلِكُ كَضَرَبَ يَضْرِبُ على المشهورِ: المَهْلِكُ بِمَعْنَى الهَلاكِ مُثَلَّثًا، فالضمُّ فيهِ شاذٌّ وَكذا الكسرُ؛ لأنَّ قِيَاسَهُ فتحُ مصدرِهِ وَكسرُ ظَرْفِهِ، وَسَبَقَ أنَّ فيهِ كَفَرِحَ، وَعليها فالقياسُ فَتْحُ مَصْدَرِهِ وَظَرْفِهِ معًا، وَقَضِيَّةُ النظمِ أنَّ المَهْلِكَةَ بزيادةِ تاءِ التأنيثِ لمْ يَأْتِ فيها الضَّمُّ، لَكِنَّهُ ذَكَرَهَا في التسهيلِ مُثَلَّثَةَ العَيْنِ.
تَنْبِيهٌ: إِنَّمَا ذَكَرَ الناظمُ رَحِمَهُ اللَّهُ المَفْعُلَ بالضمِّ اسْتِطْرَادًا، وَلمْ يَذْكُرْهُ في الترجمةِ لِقِلَّتِهِ، وَأنَّ سِيبَوَيْهِ قَالَ: ليسَ في الكلامِ مَفْعُلٌ بالضمِّ. وَسَبَقَ قولُ الناظمِ: (وَضَمٌّ قَلَّمَا حُمِلا) .
فَاقْتَضَى أَنَّهُ معَ قِلَّتِهِ مَنْقُولٌ.
وَقالَ في التسهيلِ: لمْ يَجِئْ مَفْعُلٌ سِوَى مَهْلُكٌ، إلاَّ مَعُونٌ وَمَكْرُمٌ وَمَأْلُكٌ وَمَيْسُرَةٌ؛ أيْ: في قولِ اللَّهِ تعالى: {فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} ، وَقولِ الشاعرِ: (عَلَى كَثْرَةِ الوَاشِينَ أيُّ مَعُونٍ) ، بِمَعْنَى المَعُونَةِ، وَقولِ الآخَرِ: (لِيَوْمِ رَوْعٍ أَوْ فَعَالِ مَكْرُمِ) بمعنَى فِعْلِ الكرمِ كالمَكْرُمَةِ، وَقولِ الآخِرِ: (أَبْلِغِ النُّعْمَانَ عَنِّي مَأْلُكًا) ؛ أيْ: رِسَالَةً، كالمَأْلَكَةِ.
وَفي القاموسِ: وَلا مَفْعُلَ غَيْرُهُ؛ أيْ: غيرُ مَأْلُكٍ، معَ أَنَّهُ ذَكَرَ البَاقِيَاتِ في مَوَادِّهَا، وَكأنَّ مُرَادَهُ ما انْفَرَدَ بالضمِّ دونَ مُشَارَكَةِ غيرِهِ.
لكنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ مَكْرُمٌ وَمَعُونٌ، وَفيهِ أنَّ المَزْبَُلَةَ بِفَتْحِ الباءِ وَضَمِّهَا، وَلمْ يَذْكُرْهَا في التسهيلِ، وَأنَّ المَيْسَُِرَةَ مُثَلَّثَةَ السينِ وَالمَزْرَُِعَةَ مُثَلَّثَةَ الراءِ، وَذَكَرَهَا في التسهيلِ أيضًا معَ المَقْدِرَةِ وَأَخَوَاتِهَا.