فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 339

الحادية عشرة: قِصَّتُهُ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ لَمّا أُنزلَ عَلْيهِ {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} .

الثانية عشرة: جِدّهُ صلّى الله علَيهِ وسلَّمَ فِي هَذا الأمْرِ بِحَيْثُ فَعَلَ ما نُسِبَ بسبِبِه إِلى الجنون وكَذَا لَوْ فَعَلَهُ مُسْلِمٌ الآنَ.

الثالثة عشرة: قولُهُ للأبْعَدِ والأقْرَبِ (لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا ) ) ، حَتى قالَ: (( يا فَاطِمةَ بِنتَ محمدٍ .. لا أُغْني عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا ) )، فِإذا صَرّحَ وَهُوَ سَيِّدُ المرْسَلِينَ بِأنَّهُ لا يُغْني شَيئًا عَنْ سَيِّدةِ نِساءِ العالمينَ، وآمنَ الإنسانُ بأنَّهُ لا يقولُ إلا الحقَّ، ثُمّ نَظَرَ فِيما وقَعَ في قُلُوبِ خَواصِّ الناسِ اليومَ، تَبَيَّنَ لَهُ تَرْكُ التوحيدِ وغُرْبَةُ الدِّينِ.

(1) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالَى: (بابُ قولِ اللهِ تعالى: {أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلاَ أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ} [الأعراف: 191 - 192] ) .

قولُه: (أَيُشْرِكُونَ) أي: في العِبادةِ. قالَ المُفَسِّرُون في هذه الآيَةِ: هذا تَوبيخٌ وتَعنيفٌ للمشرِكينَ في عِبادتِهم مع اللهِ تعالى ما لا يَخْلُقُ شيئًا وهو مَخلوقٌ، والمخلوقُ لا يكونُ شَريكًا للخالِقِ في العِبادةِ التي خَلَقَهم لها؛ وبَيَّنَ أَنَّهُم لا يَستطيعونَ لهم نَصْرًا ولا أنْفُسَهم يَنْصُرون، فكيف يُشرِكون به مَن لا يَستطيعُ نَصْرَ عابِدِيهِ ولا نَصْرَ نفسِه؟ وهذا بُرهانٌ ظاهرٌ على بُطلانِ ما كانوا يَعبُدُونَه من دونِ اللهِ، وهذا وَصْفُ كلِّ مخلوقٍ، حتى الملائكةِ والأنبياءِ والصالحينَ. وأشرَفُ الخلْقِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد كان يَسْتَنْصِرُ رَبَّه على المشرِكينَ ويَقولُ: (( اللَّهُمَّ أَنْتَ عَضُدِي وَنَصيرِي، بِكَ أَحُولُ وَبِكَ أَصُولُ، وَبِكَ أُقاتِلُ ) )وهذه الآيةُ كقولِه تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُورًا} [الفرقان:3] وقولِه: {قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف:188] وقولِه: {قُلْ إِنِّي لاَ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلاَ رَشَدًا قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا إِلاَّ بَلاَغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالاَتِهِ} [الجن:21 - 23] .

فَكَفَى بهذه الآياتِ بُرهانًا على بُطلانِ دَعوةِ غيرِ اللهِ كائنًا مَن كانَ. فإن كان نَبِيًّا أو صالِحًا فقد شَرَّفَه اللهُ تعالى بإخلاصِ العِبادةِ له، والرِّضا به ربًّا ومَعبودًا، فكيف يَجوزُ أن يُجْعَلَ العابدُ مَعبودًا مع تَوجيهِ الْخِطابِ إليه بالنَّهْيِ عن هذا الشرْكِ كما قالَ تعالى: {وَلاَ تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص:88] وقالَ: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ} [يوسف: 40] فقد أَمَرَ عِبادَه من الأنبياءِ والصالحينَ وغيرِهم بإخلاصِ العِبادةِ له وَحدَه؛ ونَهاهُمْ أن يَعبُدُوا معه غيرَه؛ وهذا هو دينُه الذي بَعَثَ به رُسلَه، وأَنزلَ به كُتُبَه؛ ورَضِيَه لعِبادِه؛ وهو الإسلامُ، كما رَوَى البخاريُّ عن أبي هُريرةَ في سؤالِ جَبْرَائِيلَ عليه السلامُ قالَ: (( يَا رَسُولَ اللهِ، ما الإِسْلامُ؟ قالَ: الإِسْلامُ أَنْ تَعبُدَ اللهَ ولا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقيمَ الصَّلاةَ؛ وتُؤتِيَ الزَّكاةَ الْمَفروضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضانَ ... ) )الحديثَ.

(2) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالَى: وقولِه: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} [فاطر:13 - 14] يُخْبِرُ تعالى عن حالِ الْمَدْعُوِّينَ من دونِه من الملائكةِ والأنبياءِ والأصنامِ وغيرِها بما يَدُلُّ على عَجْزِهم وضَعْفِهم وأَنَّهُم قد انْتَفَتْ عنهم الأسبابُ التي تكونُ في الْمَدْعُوِّ؛ وهي الْمُلْكُ، وسَماعُ الدعاءِ والقُدرةُ على استجابتِه، فمتى لم تُوجَدْ هذه الشُّروطُ تامَّةً بَطَلَتْ دَعوتُه فكيفَ إذا عُدِمَتْ بالْكُلِّيَّةِ؟ فنَفَى عنهم الْمُلْكَ بقولِه: {مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ} قالَ ابنُ عبَّاسٍ ومُجاهِدٌ وعِكرمةُ، وعَطاءٌ والحسَنُ وقَتادةُ: (القِطْمِيرُ: اللِّفافةُ التي تكونُ على نَواةِ التمْرِ) كما قالَ تعالى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ} [النحل:73] وقالَ: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لاَ يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ * وَلاَ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} [سبأ:22 - 23] ونَفَى عنهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت