فهرس الكتاب
سَماعَ الدعاءِ بقولِه: {إِن تَدْعُوهُمْ لاَ يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ} ؛ لأَنَّهُم ما بينَ مَيِّتٍ وغائبٍ عنهم، مُشْتَغِلٍ بما خُلِقَ له، مُسَخَّرٍ بما أُمِرَ به كالملائكةِ، ثم قالَ: {وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ} ؛ لأنَّ ذلك ليس إليهم؛ فإنَّ اللهَ تعالى لم يَأْذَنْ لأَحَدٍ من عِبادِه في دُعاءِ أَحَدٍ منهم، لا استقلالًا ولا واسطةً كما تَقَدَّمَ بعضُ أَدِلَّةِ ذلك. وقولُه: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} فتَبيَّنَ أنَّ دعوةَ غيرِ اللهِ شِرْكٌ. وقالَ تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِّيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلاَّ سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا} [مريم:81 - 82] وقولُه: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} قالَ ابنُ كثيرٍ: يَتَبَرَّؤونَ منكم، كما قالَ تعالى: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لاَّ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ} [الأحقاف:5 - 6] .
قالَ: وقولُه: {وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} أي: ولا يُخْبِرُكَ بعَواقِبِ الأمورِ ومآلِها وما تَصيرُ إليه مِثلُ خَبيرٍ بها. قالَ قَتادةُ: يعني نفسَه تَبارَكَ وتعالى؛ فإنه أَخْبَرَ بالوَاقعِ لا مَحالةَ.
قلتُ: والمشرِكون لم يُسَلِّموا للعَليمِ الخبيرِ ما أَخْبَرَ به عن مَعبوداتِهم فقالُوا: تَمْلِكُ وتَسمعُ وتَستجيبُ وتَشفَعُ لِمَن دَعَاهَا، ولم يَلْتَفِتُوا إلى ما أَخْبَرَ به الخبيرُ مِن أنَّ كلَّ معبودٍ يُعادِي عابِدَه يومَ القِيامةِ ويَتَبَرَّأُ منه؛ كما قالَ تعالى: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ، وَقالَ شُرَكَاؤُهْم مَا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلى اللَّهِ مَوْلاَهُمُ الحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ} [يونس:28 - 30] أَخْرَجَ ابنُ جَريرٍ عن ابنِ جُرَيْجٍ قالَ: قالَ مُجاهِدٌ: {إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ} قالَ: يقولُ ذلك كلُّ شيءٍ كان يُعبَدُ من دونِ اللهِ.
فالكَيِّسُ يَستقبِلُ هذه الآياتِ التي هي الْحُجَّةُ والنورُ والبُرهانُ بالإيمانِ والقَبولِ والعملِ، فيُجرِّدُ أعمالَه للهِ وَحدَه دُونَ كلِّ ما سِواهُ مِمَّنْ لا يَمْلِكُ لنفسِه نَفْعًا ولا دَفْعًا، فَضْلًا عن غيرِه.
(3) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالَى: (وفي الصَّحيحِ عَنْ أنسٍ قالَ: (( شُجَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَوْمَ أُحُدٍ. فَقالَ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُم؟ فَنَزَلَت: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران:128] ) .
قولُه: (في الصَّحيحِ) أي: الصحيحينِ عَلَّقَه البخاريُّ, عن حُمَيْدٍ وعن ثابِتٍ: عن أَنَسٍ- ووَصَلَه أحمدُ والتِّرمذيُّ والنَّسائيُّ عن حُمَيْدٍ عن أَنَسٍ به. ووَصَلَه مُسلِمٌ عن ثابتٍ عن أَنَسٍ. وقالَ ابنُ إسحاقَ في الْمَغازي: حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ الطويلُ عن أَنَسٍ قالَ: (( كُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ وَشُجَّ وَجْهُهُ، فَجَعَلَ الدَّمُ يَسيلُ عَلَى وَجْهِهِ, وَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ وَهُو يقولُ: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَبوا وَجْهَ نَبيِّهِمْ وَهُوَ يَدْعوهُمْ إِلى رَبِّهِم؟ فَأنزَلَ اللهُ الآيةَ ) ).
قولُه: (شُجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قالَ أبو السعاداتِ: الشَّجُّ في الرأسِ خاصَّةً في الأَصْلِ، وهو أن يَضْرِبَه بشيءٍ فيَجْرَحَه فيه ويَشُقَّه، ثم اسْتُعْمِلَ في غيرِه من الأعضاءِ، وذَكَرَ ابنُ هِشامٍ من حديثِ أبي سعيدٍ الْخُدريِّ أنَّ عُتبةَ بنَ أبي وَقَّاصٍ هو الذي كَسَرَ رَباعِيَةَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّفْلَى وجَرَحَ شَفَتَه السفلى، وأنَّ عبدَ اللهِ بنَ شِهابٍ الزُّهْرِيَّ هو الذي شَجَّهَ في وَجْهِه، وأنَّ عبدَ اللهِ بنَ قَمِئَةَ جَرَحَهُ في وَجْنَتِهِ، فدَخَلَتْ حَلْقَتَانِ من حِلَقِ الْمِغْفَرِ في وَجنتِه، وأنَّ مالِكَ بنَ سِنانٍ مَصَّ الدَّمَ من وَجْهِ رَسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وازْدَرَدَهُ. فقالَ له: (( لَنْ تَمَسَّكَ النَّارُ ) ).
قالَ القُرطبيُّ: والربَّاعِيَةُ بفتحِ الراءِ وتَخفيفِ الياءِ , وهي كلُّ سِنٍّ بعدَ ثَنِيَّةٍ.
قالَ النوويُّ: وللإنسانِ أَربعُ رَبَاعِيَاتٍ.
قالَ الحافظُ: والْمُرادُ أنها كُسِرَتْ، فذَهَبَ منها فَلْقَةٌ ولم تُقْلَعْ من أَصْلِها.