فهرس الكتاب
قولُه: {الكَبِيرُ} أي: الذي لا أَكبرَ منه ولا أَعْظَمَ تَبارَكَ وتعالى.
(2) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالَى: (فِي الصَّحيحِ عَنْ أَبي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قالَ:(( إِذَا قَضَى اللهُ الأَمْرَ فِي السَّماءِ ضَرَبَتِ المَلاَئِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خَضَعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوانٍ، يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ {حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ} ، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وَصَفَهُ سُفيانُ بِكَفِّهِ، فَحَرَّفَهَا وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ، فَيَسْمَعُ الكَلِمَةَ فيُلْقِيهَا إِلى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَهُ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَها، وَرُبَّمَا أَلْقَاها قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَها مِائةَ كَذْبَةٍ، فيُقالُ: أَلَيْسَ قَدْ قالَ لَنا يَومَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟ فيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتي سُمِعَتْ مِنَ السَّماءِ ) ).
قولُه: (في الصحيحِ) أي: صحيحِ البخاريِّ.
قولُه: (إِذَا قَضَى اللهُ الأَمْرَ فِي السَّماءِ) أي: إذا تَكَلَّمَ اللهُ بالأمْرِ الذي يُوحِيهِ إلى جَبْرَائِيلَ بما أَرادَه؛ كما صَرَّحَ به في الحديثِ الآتِي، وكما رَوَى سعيدُ بنُ منصورٍ وأبو دَاوُدَ وابنُ جَريرٍ عن ابنِ مَسعودٍ: (إِذا تَكَلَّمَ اللهُ بِالوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّماواتِ صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفْوانِ) .
وروى ابنُ أبي حاتمٍ وابنُ مَرْدُويَه عن ابنِ عَبَّاسٍ قالَ: (( لَمَّا أَوْحَى الجَبَّارُ إِلى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعا الرَّسولَ مِنْ الملائِكَةِ لِيَبْعَثَهُ بِالوَحْيِ، فَسَمِعَتِ الْمَلائِكَةُ صَوْتَ الْجَبَّارِ يَتَكَلَّمُ بِالوَحْيِ. فَلمَّا كُشِفَ عَنْ قُلوبِهِم سَأَلُوا عَمَّا قَالَ اللهُ. فَقَالُوا: الحَقَّ. وَعَلِمُوا أَنَّ اللهَ لاَ يَقُولُ إلاَّ حَقًّا ) ).
قولُه: (ضَرَبَتِ المَلاَئِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خَضَعَانًا لِقَوْلِهِ) أي: لقولِ اللهِ تعالى, قالَ الحافظُ: خَضَعَانًا بفَتحتينِ من الْخُضوعِ. وفي روايةٍ: بضَمِّ أَوَّلِه وسُكونِ ثَانِيهِ. وهو مَصدرٌ بمعنى خَاضِعِينَ.
قولُه: (كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوانٍ) أي: كأنَّ الصوتَ المسموعَ سِلسلةٌ على صَفوانٍ، وهو الحجَرُ الأَمْلَسُ.
قولُه: (يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ) هو بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وسكونِ النونِ وضَمِّ الفاءِ والذالِ الْمُعْجَمَةِ, و (ذلك) أي: القولُ، والضميرُ في (يَنفُذُهُمْ) للملائكةِ، أي: يَنْفُذُ ذلك القولُ الملائكةَ, أي: يَخْلُصُ ذلك القولُ ويَمْضِي فيهم حتى يَفْزَعُوا منه. وعندَ ابنِ مَرْدُويَهْ من حديثِ ابنِ عَبَّاسٍ: (فلا يَنْزِلُ عَلى أَهْلِ سَماءٍ إِلاَّ صَعِقُوا) وعندَ أبي دَاوُدَ وغيرِه مَرْفُوعًا: (إِذا تَكَلَّمَ اللهُ بِالوَحْيِ سَمِعَ أَهْلُ السَّماءِ الدُّنْيا صَلْصَلَةً كَجَرِّ السِّلْسِلَةِ عَلَى الصَّفا فَيُصْعَقُونَ، فَلا يَزالُونَ كَذلِكَ حَتَّى يَأتِيَهُم جِبريلُ) الحديثَ.
قولُه: {حَتَّى إِذَا فَزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ} تَقَدَّمَ معناه.
قولُه: (قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ) أي: قالوا: قالَ اللهُ الْحَقَّ، عَلِمُوا أنَّ اللهَ لا يَقولُ إلا الحقَّ.
قولُه: (فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ) أي: يَسْمَعُ الكلمةَ التي قَضَاهَا اللهُ، وهم الشياطينُ يَرْكَبُ بعضُهم بعضًا. وفي صحيحِ البخاريِّ عن عائشةَ مَرفوعًا: (إِنَّ الملائِكَةَ تَنْزِلُ فِي العَنَانِ -وَهُوَ السَّحابُ- فَتَذْكُرُ الأَمْرَ قُضِيَ في السَّماءِ، فَتَسْتَرِقُ الشَّياطِينُ السَّمْعَ؛ فَتُوحِيهِ إِلى الكُهَّانِ) .
قولُه: (وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا وَصَفَهُ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ) أي: وَصَفَ رُكوبَ بعضِهم فوقَ بعضٍ.
وسفيانُ هو ابنُ عُيَيْنَةَ أبو مُحَمَّدٍ الهلاليُّ الكوفيُّ ثم الْمَكِّيُّ، ثِقَةٌ حافظٌ، فقيهٌ، إمامٌ حُجَّةٌ، ماتَ سنةَ ثَمانٍ وتِسعينَ ومائةٍ وله إحدى وتِسعونَ سَنَةً.
قولُه: (فَحَرَّفَها) بحاءٍ مُهمَلَةٍ وراءٍ مُشَدَّدَةٍ وفاءٍ.
قولُه: (وَبَدَّدَ) أي: فَرَّقَ بينَ أَصابِعِهِ.