فهرس الكتاب
قولُه: (فَيَسْمَعُ الكَلِمَةَ فيُلْقِيهَا إِلى مَنْ تَحْتهُ) أي: يَسْمَعُ الفوقانيُّ الكلمةَ فيُلْقِيهَا إلى آخَرَ تَحْتَه، ثم يُلْقِيهَا إلى مَن تَحْتَه حتى يُلْقِيَهَا على لِسانِ الساحرِ أو الكاهِنِ.
قولُه: (فَرُبَّمَا أَدْرَكَهُ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا) الشِّهابُ هو النَّجْمُ الذي يُرْمَى به؛ أي: رُبَّمَا أَدْرَكَ الشهابُ الْمُسْتَرِقَ، وهذا يَدُلُّ على أنَّ الرميَ بالشُّهُبِ قبلَ الْمَبْعَثِ. لِمَا رَوَى أحمدُ وغيرُه والسِّياقُ له في المسنَدِ من طَريقِ مَعْمَرٍ: أنْبَأَنَا الزُّهْرِيُّ عن عليِّ بنِ حسينٍ, عن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: (( كَانَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحابِهِ -قالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: مِنَ الأَنْصَارِ- قالَ: فَرُمِيَ بِنَجْمٍ عَظِيمٍ، فَاسْتَنَارَ، قالَ: مَا كُنْتُمْ تَقولُونَ إِذا كَانَ مِثْلُ هَذا فِي الْجَاهِليَّةِ؟ قالَ: كُنَّا نَقُولُ: لَعَلَّهُ يُولَدُ عَظِيمٌ أَوْ يَموتُ عظيمٌ ) )، قلتُ للزُّهْرِيِّ: أَكَانَ يُرمَى بِها فِي الجَاهِلِيَّةِ؟ قالَ: نَعَمْ؛ وَلَكِنْ غَلُظَتْ حِينَ بُعِثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( فَإِنَّها لا يُرْمَى بِها لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَياتِهِ، وَلَكِنَّ رَبَّنَا تَبارَكَ اسْمُهُ إِذا قَضَى أَمْرًا سَبَّحَ حَمَلَةُ العَرْشِ؛ ثُمَّ سَبَّحَ أَهْلُ السَّماءِ الذِينَ يَلُونَهُم ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُم، حَتَّى يَبْلُغَ التَّسبيحُ هَذهِ السَّماءَ الدُّنيا. ثُمَّ يَسْتَخْبِرُ أَهْلُ السَّمَاءِ الذينَ يَلونَ حَمَلَةَ العَرْشِ، فَيقولُ الَّذينَ يلُونَ حَمَلَةَ العَرشِ لِحَمَلَةِ العَرْشِ: ماذا قَالَ رَبُّكُم؟ فَيُخبِرونَهُم، وَيُخْبِرُ أَهْلُ كُلِّ سَمَاءٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ الخَبَرُ إِلى هَذِهِ السَّمَاءِ، وَيَخْطَفُ الجِنُّ السَّمْعَ فَيُرْمَوْنَ؛ فَما جاؤوا بِهِ عَلَى وَجْهِهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَلكنَّهُم يَقْرِفُونَ فِيه وَيَزِيدُونَ ) )، قالَ عبدُ اللهِ: قالَ أَبي: قالَ عبدُ الرَّزَّاقِ: (( وَيَخْطَفُ الجِنُّ ويُرمَوْنَ ) )، وفي روايةٍ له: (( لَكِنَّهُمْ يَزيدُونَ فِيهِ وَيَقْرِفُونَ ويَنْقُصُونَ ) ).
قولُه: (فَيَكْذِبُ مَعَها مِائةَ كَذْبَةٍ) أي: الكاهنُ أو الساحرُ.
و (كَذْبَةٍ) بفَتْحِ الكافِ وسُكونِ الذالِ الْمُعْجَمَةِ.
قولُه: (فَيقالُ: أَلَيْسَ قَدْ قالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا؟) هكذا في نُسخةٍ بِخَطِّ الْمُصَنِّفِ، وكالذي في صحيحِ البخاريِّ سواءٌ.
قَالَ المُصَنِّفُ: (وفيهِ قَبولُ النُّفُوسِ للباطِلِ، كَيْفَ يَتَعلَّقونَ بِواحِدَةٍ ولا يَعْتبِرونَ بِمائَةٍ؟) .
وفيه: أنَّ الشيءَ إذا كان فيه شيءٌ من الحقِّ فلا يَدُلُّ على أَنَّهُ حقٌّ كلُّه، فكثيرًا ما يَلْبِسُ أهلُ الضلالِ الحقَّ بالباطلِ ليكونَ أَقْبَلَ لباطِلِهم، قالَ تعالى: {وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:42] .
وفي هذه الأحاديثِ وما بعدَها وما في معناها: إثباتُ عُلُوِّ اللهِ -تعالى- على خَلْقِه على ما يَليقُ بجَلالِه وعَظَمَتِه، وأَنَّهُ -تعالى- لم يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إذا شاءَ بكلامٍ يُسْمِعُه الملائكةَ، وهذا قولُ أهلِ السُّنَّةِ قَاطِبةً سَلَفًا وخَلَفًا. خِلافًا للأَشاعرةِ والْجَهْمِيَّةِ؛ ونُفاةِ الْمُعْتَزِلَةِ، فإيَّاكَ أن تَلْتَفِتَ إلى ما زَخْرَفَه أهلُ التعطيلِ، وحَسْبُنا اللهُ ونِعْمَ الوَكيلُ.
(3) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالَى: (وعَنِ النَّوَّاسِ بنِ سِمعانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:(( إِذا أَرادَ اللهُ تَعالى أَنْ يُوحِيَ بِالأَمْرِ، تَكَلَّمَ بِالوَحْيِ، أَخَذَتِ السَّمَاوَاتِ مِنْهُ رَجْفةٌ، أَو قالَ: رَعْدَةٌ شديدةٌ، خَوْفًا مِنَ اللهِ عَزّ وَجَلّ، فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ صَعِقُوا وَخَرُّوا لِلَّهِ سُجَّدًا، فَيَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبريلُ، فَيُكَلِّمُهُ اللهُ مِنْ وَحْيِهِ بِمَا أَرَادَ، ثُمَّ يَمُرُّ جِبْرِيلُ عَلَى المَلاَئِكَةِ، كُلَّمَا مَرَّ بِسَمَاءٍ سَأَلَهُ مَلائِكَتُهَا: مَاذَا قَالَ رَبُّنا يَا جِبْرِيلُ؟ فَيَقُولُ: قَالَ الحَقَّ، وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ، فَيَقُولُونَ كُلُّهُمْ مِثْلَ ما قالَ جِبْريلُ، فَيَنْتَهي جِبريلُ بِالوَحْيِ إِلى حَيْثُ أَمرَهُ اللهُ عَزَّ وجلَّ ) )).
هذا الحديثُ رواه ابنُ أبي حاتمٍ بسَنَدِه كما ذَكَرَه العِمادُ ابنُ كثيرٍ في تَفسيرِه.
النَّوَّاسُ بنُ سِمعانَ، بكَسْرِ السينِ، ابنِ خالدٍ الكلابيُّ، ويُقالُ: الأنصاريُّ، صحابيٌّ. ويُقالُ: إنَّ أباه صَحَابيٌّ أيضًا.
قولُه: (إِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يُوحِيَ بِالأمْرِ) إلى آخِرِه: فيه النَّصُّ على أنَّ اللهَ -تعالى- يَتَكَلَّمُ بالوحيِ. وهذا مِن حُجَّةِ أهلِ السُّنَّةِ على النُّفاةِ لقولِهم: لم يَزَل اللهُ مُتَكَلِّمًا إذا شاءَ.