فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 339

قولُه: (أَخَذَتِ السَّمَاوَاتِ مِنْه رَجْفَةٌ) السماواتِ مفعولٌ مُقَدَّمٌ، والفاعلُ (رَجْفةٌ) أي: أصابَ السماواتِ من كلامِه تعالى رَجْفَةٌ، أي: ارْتَجَفَتْ. وهو صريحٌ في أنها تَسْمَعُ كلامَه تعالى، كما روى ابنُ أبي حاتمٍ عن عِكرمةَ قالَ: (( إِذا قَضَى اللهُ أَمْرًا تَكَلَّمَ تَبَارَكَ وَتَعَالى رَجَفَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ وَالجِبَالُ، وَخَرَّتِ المَلاَئِكَةُ كُلُّهمْ سُجَّدًا ) ).

قولُه: (أَو قالَ: رَعْدَةٌ شَدِيدَةٌ) شَكٌّ من الراوي، هل قالَ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- رَجْفَةٌ أو قالَ رَعْدَةٌ. والراءُ مَفتوحَةٌ فيهما.

قولُه: (خَوْفًا مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ) وهذا ظاهرٌ في أنَّ السماواتِ تَخافُ اللهَ، بما يَجْعَلُ تعالى فيها من الإحساسِ ومَعرِفةِ مَنْ خَلَقَهَا. وقد أَخْبَرَ تعالى أنَّ هذه المخلوقاتِ العظيمةَ تُسَبِّحُهُ كما قالَ تعالى: {تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا} [الإسراء:44] وقالَ تعالى: {تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} [مَرْيَم:90] وقالَ تعالى: {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة:74] وقد قَرَّرَ العَلَّامَةُ ابنُ الْقَيِّمِ رَحِمَه اللهُ أنَّ هذه المخلوقاتِ تُسَبِّحُ اللهَ وتَخشاهُ حَقيقةً، مُسْتَدِلًّا بهذه الآياتِ وما في معناها.

وفي البخاريِّ عن ابنِ مسعودٍ قالَ: (كُنّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعامِ وَهُوَ يُؤْكَلُ) وفي حديثِ أبي ذَرٍّ (أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخذَ فِي يدِهِ حَصَياتٍ فَسُمِعَ لَهُنَّ تَسْبِيحٌ) الحديثَ، وفي الصحيحِ قِصَّةُ حَنينِ الْجِذْعِ الذي كان يَخْطُبُ عليه النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قبلَ اتِّخاذِ الْمِنْبَرِ. ومِثلُ هذا كثيرٌ.

وقولُه: (صَعِقُوا وَخَرُّوا لِلهِ سُجَّدًا) الصَّعْقُ هو الْغَشْيُ؛ ومعه السجودُ.

وقولُه: (فَيَكونُ أَوَّلَ مَنْ يَرْفَعُ رَأْسَهُ جِبريلُ) بنَصْبِ (أوَّلَ) خَبَرُ يكونُ مُقَدَّمٌ على اسْمِها. ويَجوزُ العَكْسُ. ومعنى جِبريلَ: عبدُ اللهِ؛ كما رَوَى ابنُ جَريرٍ وغَيرُه عن عليِّ بنِ الْحُسينِ قالَ: (كانَ اسمُ جِبريلَ: عبدَ اللهِ، واسمُ مِيكائيلَ عُبَيْدَ اللهِ؛ وإِسرافيلَ عبدَ الرحمنِ. وكلُّ شيءٍ رَجَعِ إلى(إِيلَ) فهو مُعَبَّدٌ للهِ عَزَّ وَجَلَّ). وفيه فَضيلةُ جِبريلَ عليه السلامُ كما قالَ تعالى: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ} [التكوير:19 - 21] .

قالَ ابنُ كثيرٍ رَحِمَه اللهُ تعالى: إنَّ هذا القرآنَ لَتَبليغُ رسولٍ كَريمٍ. قالَ أبو صَالِحٍ في الآيةِ: جِبريلُ يَدخُلُ في سَبعينَ حِجَابًا من نُورٍ بغيرِ إِذْنٍ.

ولأحمدَ بإسنادٍ صحيحٍ عن ابنِ مَسعودٍ قال: (( رَأَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ وَلَهُ سِتُّمائةِ جَناحٍ؛ كُلُّ جَنَاحٍ مِنْها قَدْ سَدَّ الأفُقَ، يَسْقُطُ مِنْ جَناحِهِ مِنَ التَّهَاوِيلِ والدُّرِّ والياقوتِ مَا اللهُ بِهِ عَليمٌ ) )فإذا كانَ هذا عِظَمَ هذه الْمَخلوقاتِ فخَالِقُها أَعْظَمُ وأَجَلُّ وأَكْبَرُ فكيف يُسَوَّى به غيرُه في العِبادةِ: دُعاءً وخَوْفًا ورَجاءً وتَوَكُّلًا وغيرَ ذلك من العِباداتِ التي لا يَسْتَحِقُّها غيرُه؟ فانْظُرْ إلى حالِ الملائكةِ وشِدَّةِ خَوْفِهم من اللهِ تعالى، وقد قالَ تعالى: {بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِّن دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ} [الأنبياء:26 - 29] .

قولُه: (فَيَنْتَهِي جِبريلُ بِالوَحْيِ إِلى حَيْثُ أَمَرَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) وهذا تَمامُ الحديثِ.

والآياتُ المذكورةُ في هذا البابِ والأحاديثُ تُقَرِّرُ التوحيدَ الذي هو مَدلولُ شَهادةِ أن لا إلهَ إلا اللهُ، فإنَّ الْمَلِكَ العظيمَ الذي تَصْعَقُ الأملاكُ من كلامِه خَوْفًا منه ومَهابةً، وتَرْجُفُ منه الْمَخلوقاتُ؛ الكاملُ في ذاتِه وصِفاتِه؛ وعِلْمِه وقُدْرَتِه ومُلْكِه وعِزِّه، وغِناهُ عن جميعِ خَلْقِه؛ وافتقارِهم جميعِهم إليه، ونُفوذِ تَصَرُّفِه وقَدَرِه فيهم لعِلْمِه وحِكْمَتِه، لا يَجوزُ شَرْعًا ولا عَقْلًا أن يُجْعَلَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت