فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 339

بابُ قولِ اللهِ تعالى: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} (1)

في الصَّحِيحِ عَنِ ابنِ المُسيِّبِ عَنْ أبيهِ، قالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَعِنْدَهُ عَبْدُ اللهِ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ وَأَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ لَهُ: (( يَا عَمِّ، قُلْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ ) )، فَقَالاَ لَهُ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَأَعَادَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، فأَعَادَا، فَكَانَ آخِرُ ما قالَ: هُوَ عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) : (( لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ ) )، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} (2) .

فِيهِ مَسائلُ:

الأولى: تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: (إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ) الآية.

الثانيةُ: تفسيرُ قَوْلِهِ: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ) الآية.

الثالِثَةُ: وَهِيَ المسألةُ الكبيرةُ، تَفْسِيرُ قَوْلِهِ: (( قُلْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ) )بِخِلافِ ما عَلَيْهِ مَنْ يَدَّعي العِلْمَ.

الرابعةُ: أَنّ أَبا جَهْلٍ وَمَنْ مَعَهُ يَعْرِفُونَ مُرادَ النَّبيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إِذَا دَخَلَ قَالَ لِلرَّجُلِ: (( قُلْ لاَ إِلَهَ إِلاَ اللهُ ) )فَقَبَّحَ اللهُ أَبَا جَهْلٍ! مَنْ أَعْلَمُ مِنْهُ بِأَصْلِ الإِسْلامِ.

الخامسةُ: جِدُّهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) ، وَمُبالَغَتُهُ في إِسْلامِ عَمِّهِ.

السادسةُ: الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ إِسلامَ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأَسْلافِهِ.

السابعةُ: كَوْنُهُ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) اسْتَغْفَرَ لَهُ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، بَلْ نُهِيَ عَنْ ذلِكَ.

الثامنة: مَضَرَّةُ أصحابِ السُّوءِ عَلَى الإِنْسَانِ.

التاسعة: مَضَرَّةُ تَعْظِيمِ الأَسْلافِ والأَكَابِرِ.

العاشرةُ: الشُّبهةُ للمُبْطِلينَ فِي ذَلِكَ؛ لاستدلالِ أَبي جَهْلٍ بِذلكَ.

الحادية عشرة: الشَّاهِدُ لِكَوْنِ الأَعْمالِ بالخواتيمِ لأنَّهُ لَوْ قَالَها لَنَفَعَتْهُ.

الثانية عشرة: التَّأَمُّلُ في كِبَرِ هَذِهِ الشُّبهةِ فِي قُلوبِ الضَّالِّينَ لأنَّ في القِصَّةِ أَنَّهُمْ لَمْ يجادِلوهُ إِلا بِهَا مَعَ مُبَالَغَتِهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وتَكْرِيرِهِ، فَلأَجْلِ عَظَمَتِها ووُضوحِها عِنْدَهُمْ اقْتَصَروا عَلَيْها.

(1) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالَى: (بابُ قولِ اللهِ -تعالى-: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [القصص:56] ) .

سببُ نُزولِ هذه الآيةِ مَوتُ أبي طالِبٍ على مِلَّةِ عبدِ الْمُطَّلِبِ، كما سيأتِي بيانُ ذلك في حديثِ البابِ.

قالَ ابنُ كثيرٍ: يقولُ تعالى لرسولِه: إنك يا مُحَمَّدُ لا تَهْدِي مَن أَحْبَبْتَ، أي: ليس إليك ذلك، إنما عليكَ البلاغُ, واللهُ يَهدِي مَن يَشاءُ. وله الْحِكمةُ البالغةُ، والْحُجَّةُ الدامغةُ، كما قالَ تعالى: {لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ} [البقرة:272] وقالَ تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف:103] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت