فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 339

قلتُ: والْمَنْفِيُّ هنا هدايةُ التوفيقِ والقَبولِ، فَإِنَّ أَمْرَ ذلك إلى اللهِ، وهو القادرُ عليه. وأمَّا الهدايةُ المذكورةُ في قولِ اللهِ تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] فإنها هِدايةُ الدَّلالةِ والبيانِ، فهو المُبَيِّنُ عن اللهِ، والدالُّ على دِينِه وشَرْعِه.

(2) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ تعالَى: (في الصَّحِيحِ عَنِ ابنِ المسيِّبِ عَنْ أبيهِ، قالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الوَفَاةُ، جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدَهُ عَبْدُ اللهِ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ وَأَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ لَهُ:(( يَا عَمِّ، قُلْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللهِ ) )، فَقَالاَ لَهُ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَأَعَادَ عَلَيْهِ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَعَادَا فَكَانَ آخِرُ مَا قَالَ: هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لاَ إلَهَ إِلاَّ اللهُ).

فَقَالَ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ ) ). فأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ} [التوبة:113] وأَنْزَلَ اللهُ في أبي طالِبٍ: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} .

قولُه: (في الصحيحِ) أي: في الصحيحين. وابنُ الْمُسَيِّبِ هو سعيدُ بنُ الْمُسَيِّبِ بنِ حَزْنِ بنَ أبي وَهْبِ بنِ عمرِو بنِ عائذِ بنِ عِمرانَ بنِ مَخزومٍ القُرَشِيُّ المخزوميُّ، أحَدُ العُلماءِ والفُقهاءِ الكِبارِ السبعةِ من التابعينَ. اتَّفَقَ أهلُ الحديثِ على أنَّ مَراسيلَه أَصَحُّ الْمَراسيلِ. وقالَ ابنُ الْمَدِينِيِّ: لا أَعلَمُ في التابعينَ أَوسعَ عِلْمًا منه. ماتَ بعدَ التسعينَ وقد ناهَزَ الثمانينَ.

وأبوه المسيِّبُ صحابيٌّ، بَقِيَ إلى خِلافةِ عُثمانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وكذلك جَدُّه حَزْنٌ، صحابيٌّ استُشْهِدَ باليَمَامَةِ.

قولُه: (لَمَّا حَضَرَتْ أَبا طَالِبٍ الوَفَاةُ) . أي: عَلاماتُها ومُقَدِّمَاتُها.

قولُه: (جاءَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) . يُحْتَمَلُ أن يكونَ المسيِّبُ حَضَرَ مع الاثنينِ. فإنهما من بني مَخزومٍ، وهو أيضًا مَخْزُومِيٌّ، وكان الثلاثةُ إذ ذاك كُفَّارًا؛ فَقُتِلَ أبو جَهْلٍ على كُفْرِه, وأَسْلَمَ الآخرانِ.

قولُه: (يَاعَمِّ) . مُنادَى مُضافٌ يَجوزُ فيه إثباتُ الياءِ وحَذْفُها؛ حُذِفَت الياءُ هنا، وبَقِيَت الكسرةُ دَليلًا عليها.

قولُه: (قُلْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) . أَمَرَه أن يَقولَها لعِلْمِ أبي طالبٍ بما دَلَّتْ عليه من نَفْيِ الشرْكِ باللهِ وإخلاصِ العِبادةِ له وَحدَه، فإنَّ مَن قالَها بعِلْمٍ ويَقينٍ فقد بَرِئَ من الشرْكِ والمشرِكينَ ودَخَلَ في الإِسلامِ؛ لأَنَّهُم يَعلمونَ ما دَلَّتْ عليه، وفي ذلك الوقتِ لم يكنْ بِمَكَّةَ إلا مُسلِمٌ أو كافرٌ. فلا يقولُها إلا مَن تَرَكَ الشرْكَ وبَرِئَ منه. ولَمَّا هَاجَرَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابُه إلى المدينةِ كان فيها المسلِمونَ المُوَحِّدُونَ والمنافِقونَ الذين يَقولونَها بأَلْسِنَتِهم وهم يَعْرِفونَ معناها، لكن لا يَعْتَقِدُونَها، لِمَا في قُلوبِهم من العَداوةِ والشكِّ والرَّيْبِ؛ فهم مع المسلمينَ بظَاهِرِ الأعمالِ دونَ الباطنِ؛ وفيها اليهودُ؛ وقد أَقَرَّهُم رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هاَجَرَ، ووَادَعَهم بأنْ لا يَخُونُوه ولا يُظاهِروا عليه عَدُوًّا كما هو مَذكورٌ في كُتُبِ الحديثِ والسِّيَرِ.

قولُه: (كَلِمَةً) قالَ القُرطبيُّ: بالنَّصْبِ على أَنَّهُ بَدَلٌ من (( لا إلهَ إلا اللهُ ) )ويَجوزُ الرفْعُ على أَنَّهُ خَبَرُ مُبتدأٍ مَحذوفٍ.

قولُه: (أُحَاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللهِ) هو بتشديدِ الجيمِ من الْمُحاجَّةِ، وفيه دليلٌ على أنَّ الأعمالَ بالْخَوَاتِيمِ؛ لأَنَّهُ لو قالَها في تلكَ الحالِ مُعْتَقِدًا ما دَلَّتْ عليه مُطابَقَةً من النفيِ والإثباتِ لنَفَعَتْه.

قولُه: (فَقالا لَهُ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) ذَكَّراه الْحُجَّةَ الْمَلعونةَ التي يَحْتَجُّ بها الْمُشرِكون على الْمُرْسَلينَ، كقولِ فرعونَ لموسى: {فَمَا بالُ القُرونِ الأُولَى} [طه:51] وكقولِه تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [الزخرف:23] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت