فهرس الكتاب

الصفحة 134 من 339

قولُه: (فَأعَادَ عَلَيهِ النَّبيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأعَادا) فيه مَعرِفَتُهما لمعنى (( لا إلهَ إلا اللهُ ) )؛ لأَنَّهُما عَرَفَا أنَّ أبا طالِبٍ لو قالَها لَبَرِئَ من مِلَّةِ عَبدِ الْمُطَّلِبِ. فإنَّ مِلَّةَ عبدِ الْمُطَّلِبِ هي الشرْكُ باللهِ في إلهيَّتِه. وأمَّا الرُّبوبِيَّةُ فقد أَقَرُّوا بها كما تَقَدَّمَ. وقد قالَ عبدُ الْمُطَّلِبِ لأَبْرَهَةَ: (أنا ربُّ الإِبِلِ؛ والبيتُ له رَبٌّ يَمْنَعُه مِنكَ) وهذه الْمَقالةُ منهما عندَ قولِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعَمِّه: (( قُلْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ) )استكبارًا عن العملِ بِمَدلولِها. كما قالَ اللهُ تعالى عنهما وعن أمثالِهما مِن أولئك المشرِكينَ: {إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ * وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ} [الصافات:35 - 36] فرَدَّ عليهم بقولِه: {بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} [الصافات:37] فبَيَّنَ تعالى أنَّ استكبارَهم عن قولِ (لا إلهَ إلا اللهُ) لدلالتِها على نَفْيِ عِبادتِهم الآلِهةَ التي كانوا يَعبدونَها من دُونِ اللهِ، فإنَّ دَلالةَ هذه الكلمةِ على نَفْيِ ذلك دَلالةُ تَضَمُّنٍ، ودَلالتَها عليه وعلى الإِخلاصِ دَلالةُ مُطابَقَةٍ.

ومِن حِكمةِ الربِّ تعالى في عَدَمِ هِدايةِ أبي طالبٍ إلى الإِسلامِ لِيُبَيِّنَ لعِبادِه أنَّ ذلك إليه، وهو القادِرُ عليه دونَ مَن سِواهُ، فلو كانَ عندَ النبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الذي هو أَفْضَلُ خَلْقِه-من هِدايةِ القُلوبِ وتَفريجِ الكُروبِ؛ ومَغفِرَةِ الذُّنوبِ، والنجاةِ من العَذابِ، ونحوِ ذلك شيءٌ؛ لكانَ أحقَّ الناسِ بذلك وأَوْلَاهُمْ به عَمُّه الذي كان يَحُوطُه ويَحمِيهِ ويَنْصُرُه ويُؤْوِيهِ، فسُبحانَ مَن بَهَرَتْ حِكمتُه العقولَ، وأَرْشَدَ العِبادَ إلى ما يَدُلُّهُمْ على مَعرِفَتِه وتَوحيدِه، وإخلاصِ العملِ له وتَجريدِه.

قولُه: (فَكَانَ آخِرُ مَا قَالَ) الأحسَنُ فيه الرَّفْعُ على أَنَّهُ اسمُ (( كان ) ), وجُملةُ (( هو ) )وما بعدَها الخبرُ.

قولُه: (هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ) الظاهرُ أنَّ أبا طالبٍ قالَ: (( أنا ) )فَغَيَّرَه الراوي استِقْبَاحًا للفظِ المذكورِ، وهو من التَّصَرُّفاتِ الْحَسَنَةِ، قالَه الحافظُ.

قولُه: (وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ) قالَ الحافظُ: هذا تأكيدٌ من الراوي في نَفْيِ وُقوعِ ذلك من أبي طالبٍ.

قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَه اللهُ: (وفيه الرَّدُّ على مَن زَعَمَ إسلامَ عبدِ الْمُطَّلِبِ وأَسلافِه, ومَضَرَّةُ أصحابِ السَّوْءِ على الإنسانِ، ومَضَرَّةُ تعظيمِ الْأَسْلافِ) .

أي: إذا زادَ على المشروعِ؛ بحيث تُجْعَلُ أقوالُهم حُجَّةً يُرْجَعُ إليها عندَ التَّنَازُعِ.

قولُه: (فقَالَ النَّبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:(( لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ ) )) قالَ النوويُّ: وفيه جَوازُ الْحَلِفِ مِن غيرِ استحلافٍ. وكأنَّ الْحَلِفَ -هنا- لتأكيدِ العَزْمِ على الاستغفارِ تَطْيِيبًا لنفْسِ أبي طالبٍ.

وكانتْ وَفاةُ أبي طالِبٍ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجرةِ بقَليلٍ.

قالَ ابنُ فَارِسٍ: ماتَ أبو طالِبٍ ولرسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسعٌ وأربعون سَنَةً وثمانيةُ أَشْهُرٍ وأَحَدَ عَشَرَ يَومًا.

وتُوُفِّيَتْ خَديجةُ أمُّ المؤمنينَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا بعدَ مَوتِ أبي طالبٍ بثَمانيةِ أَيَّامٍ.

قولُه: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ} .

أي: ما يَنبغِي لهم ذلك. وهو خَبَرٌ بِمَعنى النَّهْيِ، والظاهِرُ أنَّ هذه الآيةَ نَزَلَتْ في أبي طالِبٍ؛ فإنَّ الإتيانَ بالفاءِ الْمُفيدةِ للترتيبِ, في قولِه: (فَأَنْزَلَ اللهُ) بعدَ قولِه: (( لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ ) )يُفيدُ ذلك.

وقد ذَكَرَ العُلماءُ لنُزولِ هذه الآيةِ أَسبابًا أُخَرَ. فلا مُنافاةَ؛ لأنَّ أسبابَ النُّزولِ قد تَتَعَدَّدُ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت