فهرس الكتاب
قالَ الْمُصَنِّفُ: (وفيهِ مَعرِفَةُ الإِيمانِ بالْجِبْتِ والطاغوتِ في هذا الْمَوضِعِ، هلْ هوَ اعتقادُ قلبٍ، أوْ هوَ مُوافَقَةُ أصحابِها معَ بُغْضِها ومَعرِفةِ بُطلانِها؟) .
(3) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: (وقَوْلِهِ تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 60] ) .
يقولُ تعالى لنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يا مُحَمَّدُ: هلْ أُخبِرُكُمْ بشَرِّ جَزاءٍ عندَ اللَّهِ يومَ القِيامةِ مِمَّا تَظُنُّونَهُ بِنَا؟ وهم أنْتُمْ أيُّها الْمُتَّصِفُونَ بهذهِ الصِّفاتِ الْمُفَسَّرَةِ بقولِهِ: {مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ} ؛ أيْ: أَبْعَدَهُ مِنْ رَحْمَتِهِ، {وَغَضِبَ عَلَيْهِ} ؛ أيْ: غَضَبًا لا يَرْضَى بعدَهُ أبدًا، {وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ} . وقدْ قالَ الثَّوْرِيُّ: عنْ عَلْقمةَ بنِ مَرْثَدٍ، عن الْمُغِيرةِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن الْمَعْرُورِ بنِ سُوَيْدٍ، أنَّ ابنَ مَسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَن الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ، أَهِيَ مِمَّا مَسَخَ اللَّهُ؟ فَقَالَ: (( إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا -أَوْ قَالَ: لَمْ يَمْسَخْ قَوْمًا-فَيَجْعَلَ لَهُمْ نَسْلًا وَلَا عَقِبًا، وَإِنَّ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ ) ). ورَوَاهُ مسلِمٌ [1] .
قالَ البَغَوِيُّ في تفسيرِهِ: {قُلْ} يا مُحَمَّدُ: {هَلْ أُنَبِّئُكُمْ} ؛ أُخْبِرُكُم، {بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ} ؛ يَعْنِي: قَوْلِهِم: لمْ نَرَ أَهلَ دِينٍ أقلَّ حَظًّا في الدنيا والآخِرَةِ منكم، ولا دِينًا شَرًّا منْ دينِكُم، فذَكَرَ الجوابَ بلفظِ الابتداءِ: {قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ} [الحجّ: 72] .
وقولُهُ: {مَثُوبَةً} ؛ ثوابًا وجَزاءً، نُصِبَ على التفسيرِ، {عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ} ، فالقِرَدَةُ أصحابُ السَّبْتِ، والْخَنازِيرُ كُفَّارُ مائدةِ عِيسَى. وعنْ عليِّ بنِ أبي طَلْحَةَ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ الْمَسخَيْنِ كِلاهُمَا منْ أصحابِ السَّبْتِ، فشَبَابُهُم مُسِخُوا قِرَدَةً، ومشايِخُهم مُسِخُوا خَنازِيرَ.
{وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} ؛ أيْ: وجَعَلَ منهم مَنْ عَبَدَ الطاغوتَ؛ أيْ: أَطاعَ الشيطانَ فيما سَوَّلَ لهُ. وقَرَأَ ابنُ مَسعودٍ: (وَعَبَدُوا الطَّاغُوتَ) . وقَرَأَ حَمزةُ: (وَعَبُدِ الطَّاغُوتِ) ، بضَمِّ الباءِ وجَرِّ التاءِ، أَرادَ العَبْدَ. وهُمَا لُغتانِ: عَبْدٌ بجزمِ الباءِ؛ وعَبُدٌ بضَمِّها، مثلُ سَبْعٍ وسَبُعٍ. وقَرأَ الْحَسَنُ: (وَعَبْدَ الطَّاغُوتِ) [2] على الواحدِ.
وفي تفسيرِ الطَّبْرَسِيِّ [3] : قرأَ حَمزةُ وَحْدَهُ: (وَعَبُدَ الطَّاغُوتِ) بضَمِّ الباءِ وجَرِّ التاءِ، والباقونَ (وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ) بنَصبِ الباءِ وفَتْحِ التاءِ. وقَرَأَ ابنُ عَبَّاسٍ وابنُ مَسعودٍ وإبراهيمُ النَّخَعِيُّ والأَعْمَشُ وأَبانُ بنُ تَغْلِبَ: (وعُبُدَ الطاغوتِ) بضَمِّ العَينِ والباءِ وفَتْحِ الدالِ وخَفْضِ التاءِ، قالَ: وحُجَّةُ حَمزةَ في قِراءتِهِ (وعَبُدَ الطاغوتِ) أنَّهُ يَحْمِلُهُ على ما عَمِلَ فيهِ {جَعَلَ} كأنَّهُ: وجَعَلَ منهم عَبُدَ الطاغوتِ. ومعنى {جَعَلَ} : خَلَقَ، كقولِهِ: {وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ} ، وليسَ {عَبُدَ} لفْظَ جَمْعٍ؛ لأنَّهُ ليسَ منْ أَبْنِيَةِ الجُمُوعِ شيءٌ على هذا البِناءِ، ولكِنَّهُ واحدٌ يُرادُ بهِ الكَثرةُ، ألا ترى أنَّ في الأسماءِ الْمُفْرَدَةِ الْمُضافَةِ إلى الْمَعارِفِ ما لَفْظُهُ لفظُ الإفرادِ ومعناهُ الْجَمْعُ، كما في قولِهِ تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} [إبراهيم: 34] ؛ لأنَّ بِناءَ (فَعُلٍ) يُرادُ بهِ الْمُبالَغَةُ والكَثرةُ، نحوُ: يَقُظٍ ودَنُسٍ، وكأنَّ تَقديرَهُ: أنَّهُ قدْ ذَهَبَ في عِبادةِ الطاغوتِ كُلَّ مَذْهَبٍ.
(1) هكذا العبارةُ، ورُبَّما تكونُ العبارةُ بحذفِ الواوِ. يُنْظَرُ الأصلُ.
(2) تُرَاجَعُ هذهِ القراءةُ وضَبْطُهَا بمُعْجَمِ الْقِرَاءَاتِ.
(3) رُبَّمَا يكُونُ الطَّبَرِيَّ، يُنْظَرُ الأَصْلَ.