فهرس الكتاب

الصفحة 165 من 339

وأمَّا مَنْ فَتَحَ فقالَ: (وعَبَدَ الطاغوتَ) ؛ فإنَّهُ عَطَفَهُ على بِناءِ الْمُضِيِّ الذي في الصِّلَةِ: وهوَ قولُهُ {لَعَنَهُ اللَّهُ} ، وأَفْرَدَ الضميرَ في {عَبَدَ} ، وإنْ كانَ المعنى فيهِ الكَثرةَ؛ لأنَّ الكلامَ مَحمولٌ على لَفْظِهِ دُونَ معناهُ، وفاعلُهُ ضَميرُ {مَنْ} ، كما أنَّ فاعلَ الأَمثِلَةِ المعطوفِ عليها ضَميرُ {مَنْ} ، فأُفْرِدَ لِحَمْلِ ذلكَ جَميعًا على اللفظِ. وأمَّا قولُهُ: (عُبُدَ الطاغوتِ) ؛ فهوَ جَمْعُ عَبْدٍ.

وقالَ أحمدُ بنُ يَحْيَى: عُبُدٌ جَمْعُ عَابِدٍ؛ كبازِلٍ وبُزُلٍ، وشارِفٍ وشُرُفٍ، وكذلكَ عُبَّدٌ جَمْعُ عابدٍ. ومِثلُهُ عِبادٌ وعُبَّادٌ. انتَهَى.

وقالَ شيخُ الإِسلامِ في قولِهِ: {وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} : الصوابُ أنَّهُ مَعطوفٌ على ما قَبْلَهُ من الأفعالِ؛ أيْ: مَنْ لَعَنَهُ وغَضِبَ عليهِ، ومَنْ جَعَلَ منهم القِرَدَةَ والْخَنازيرَ وعَبَدَ الطاغوتَ.

قالَ: والأفعالُ الْمُتَقَدِّمَةُ الفاعلُ فيها اسمُ اللَّهِ تعالى مُظْهَرًا ومُضْمَرًا. وهنا الفاعلُ اسمُ مَنْ عَبَدَ الطاغوتَ. وهوَ الضميرُ في {عَبَدَ} ، ولمْ يُعِدْ سُبحانَهُ (مَنْ) ؛ لأنَّهُ جَعَلَ هذهِ الأفعالَ صفةً لصِنْفٍ واحدٍ وهم اليَهودُ.

قولُهُ: {أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا} مِمَّا تَظُنُّونَ بنا {وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} . وهذا مِنْ بابِ استعمالِ أَفْعَلَ التفضيلِ فيما ليسَ في الطَّرَفِ الآخَرِ لهُ مُشَارَكَةٌ، كقولِهِ تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا} [الفرقان: 24] ، قالَهُ العِمادُ ابنُ كثيرٍ في تَفسيرِهِ، وهوَ ظاهِرٌ.

(4) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: (وقولُهُ تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا} [الكهف: 21] . والمرادُ أنَّهُم فَعَلُوا معَ الْفِتْيَةِ بعدَ مَوْتِهم ما يُذَمُّ فاعلُهُ؛ لأنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ:(( لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ ) )، أرادَ تَحذيرَ أُمَّتِهِ أن يَفْعَلُوا كَفِعْلِهم.

(5) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: (وَعَنْ أَبِي سعيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ:(( لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّةِ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ ) )، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، اليهودُ والنَّصَارى؟ قالَ: (( فَمَنْ؟ ) ). أَخْرَجاهُ)، وهذا سِياقُ مُسْلِمٍ.

قولُهُ: (سَنَنَ) ، بفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ؛ أيْ: طريقَ مَنْ كانَ قَبْلَكم. قالَ الْمُهَلَّبُ: الفَتْحُ أَوْلَى.

قولُهُ: (حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ) ، بنَصْبِ (حَذْوَ) على الْمَصْدَرِ. والقُذَّةُ بضَمِّ القافِ، واحِدَةُ الْقِذَاذِ، وهوَ رِيشُ السَّهْمِ؛ أيْ: لتَتَّبِعُنَّ طَريقَهم في كلِّ ما فَعَلُوهُ، وتُشْبِهُونَهُم في ذلكَ كما تُشْبِهُ قُذَّةُ السَّهْمِ القُذَّةَ الأُخرى. فوَقَعَ كمَا أخْبَرَ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسَلَّمَ. وبهذا تَظْهَرُ مُناسَبَةُ الآياتِ للتَّرْجَمَةِ، وقدْ وَقَعَ كما أَخْبَرَ، وهوَ عَلَمٌ منْ أعلامِ النُّبُوَّةِ.

قولُهُ: (حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ) ، وفي حديثٍ آخَرَ: (( حَتَّى لَوْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَأْتِي أُمَّهُ عَلَانِيَةً لَكَانَ فِي أُمَّتِي مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ ) ). أَرادَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنَّ أُمَّتَهُ لا تَدَعُ شَيئًا مِمَّا كانَ يَفْعَلُهُ اليَهودُ والنَّصارَى إلَّا فَعَلَتْهُ كُلَّهُ لا تَتْرُكُ منهُ شَيْئًا؛ ولهذا قالَ سُفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ: مَنْ فَسَدَ مِنْ عُلمائِنا ففيهِ شَبَهٌ من اليَهودِ؛ ومَنْ فَسَدَ منْ عُبَّادِنا ففيهِ شَبَهٌ من النَّصَارَى. انتهى.

قُلْتُ: فما أَكثرَ الفريقَيْنِ؛ لكنْ منْ رَحمةِ اللَّهِ تعالى ونِعمتِهِ أنْ جَعَلَ هذهِ الأُمَّةَ لا تَجْتَمِعُ على ضَلالةٍ كما في حديثِ ثَوْبَانَ الآتِي قَرِيبًا.

قولُهُ: (قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، اليهودُ والنَّصَارى؟ قالَ: فَمَنْ؟) ، هُوَ بِرَفْعِ (اليهودُ) خَبَرُ مُبتدأٍ محذوفٍ؛ أيْ: أَهُم اليهودُ والنَّصَارَى الذينَ نَتَّبِعُ سَنَنَهُمْ؟ ويَجوزُ النَّصْبُ بفِعْلٍ مَحذوفٍ تَقديرُهُ: تَعْنِي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت