فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 339

قولُهُ: (قَالَ فَمَنْ؟) ، استفهامُ إِنكارٍ؛ أيْ: فَمَنْ هُمْ غيرُ أولئكَ؟

(6) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: (ولِمُسْلِمٍ عَنْ ثَوبانَ، أنَّ رسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ:(( إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ: الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ، فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ. وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَإِنِّي أَعْطَيْتُكَ لِأُمَّتِكَ أَنْ لَا أُهْلِكَهُمْ بِسَنةٍ بِعَامَّةٍ، وَأَنْ لَا أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بِأَقْطَارِهَا، حَتَّى يَكُونَ بَعضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا ) ). ورواهُ الْبَرْقَانِيُّ في صحيحِهِ، وزَادَ: (( إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ، وَإِذَا وَقَعَ عَلَيْهِمُ السَّيْفُ لَمْ يُرْفَعْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَلْحَقَ حَيٌّ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ فِئَامٌ مِنْ أُمَّتِي الْأَوْثَانَ، وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ مَنْصُورَةً، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ) )).

هذا الحديثُ رَواهُ أبو دَاوُدَ في سُنَنِهِ وابنُ مَاجَهْ بالزيادةِ التي ذَكَرَها الْمُصَنِّفُ.

قولُهُ: (عنْ ثَوبانَ) ، هوَ مَوْلَى النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، صَحِبَهُ وَلازَمَهُ، ونَزَلَ بعْدَهُ الشامَ، وماتَ بِحِمْصَ سَنَةَ أربعٍ وخَمسينَ.

قولُهُ: (زَوَى لِيَ الْأَرْضَ) ، قال التُّورِبِشْتِيُّ: زَوَيْتُ الشَّيْءَ جَمَعْتُهُ وقَبَضْتُهُ، يُريدُ تَقريبَ البَعيدِ منها حتَّى اطَّلَعَ عليهِ اطِّلَاعَهُ على القَريبِ. وحاصِلُهُ أنَّهُ طَوَى لهُ الأَرْضَ وجَعَلَها مَجموعةً كهَيْئَةِ كَفٍّ في مِرْآةٍ يَنْظُرُهُ، قالَ الطِّيبِيُّ: أيْ جَمَعَها لي حتَّى بَصُرْتُ ما تَمْلِكُهُ أُمَّتِي مِنْ أَقْصَى الْمَشارِقِ والْمَغارِبِ منها.

قولُهُ: (وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا) . قالَ القُرْطُبِيُّ: هذا الْخَبَرُ وُجِدَ مَخْبَرُهُ كما قالَ، وكانَ ذلكَ منْ دَلائلِ نُبُوَّتِهِ، وذلكَ أنَّ مُلْكَ أُمَّتِهِ اتَّسَعَ إلى أنْ بَلَغَ أَقْصَى طَنْجَةَ -بالنُّونِ والجيمِ- الذي هوَ مُنْتَهَى عِمارةِ الْمَغْرِبِ، إلى أَقْصَى الْمَشْرِقِ مِمَّا هوَ وَراءَ خُراسانَ والنهْرِ، وكثيرٍ منْ بِلادِ السِّنْدِ والْهِنْدِ والصُّغْدِ؛ ولمْ يَتَّسِعْ ذلكَ الاتِّساعَ منْ جِهةِ الجنوبِ والشَّمالِ. ولذلكَ لم يَذْكُرْ عليهِ السلامُ أنَّهُ أُرِيَهُ، ولا أَخْبَرَ أنَّ مُلْكَ أُمَّتِهِ يَبْلُغُهُ.

قولُهُ: (زُوِيَ لِيَ مِنْهَا) ، يَحْتَمِلُ أنْ يكونَ مَبْنِيًّا للفاعلِ، وأنْ يكونَ مَبْنِيًّا للمفعولِ.

قولُهُ: (وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ: الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ) ، قالَ القُرْطُبِيُّ: يَعْنِي بها: كَنْزَ كِسْرَى وهوَ مَلِكُ الْفُرْسِ، وكَنْزَ قَيْصَرَ وهوَ مَلِكُ الرُّومِ، وقُصُورَهُما وبلادَهما. وقدْ قالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتُنْفَقَنَّ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) ). وعَبَّرَ بالأَحْمَرِ عنْ كَنْزِ قَيْصَرَ؛ لأنَّ الغالِبَ عندَهم كانَ الذَّهَبَ، وبالأبيضِ عنْ كَنزِ كِسْرَى؛ لأنَّ الغالِبَ عندَهم كانَ الْجَوْهَرَ والفِضَّةَ. وَوُجِدَ ذلكَ في خِلافةِ عُمَرَ، فَإِنَّهُ سِيقَ إليهِ تَاجُ كِسْرَى وَحِلْيَتُهُ وما كانَ في بُيُوتِ أموالِهِ، وجميعُ ما حَوَتْهُ مَمْلَكَتُهُ على سَعَتِها وعَظَمَتِها، وكذلكَ فَعَلَ اللَّهُ بقَيْصَرَ. و (الأبيضَ والأحمرَ) ، مَنصوبانِ على الْبَدَلِ.

قولُهُ: (وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ بِعَامَّةٍ) . هكذا ثَبَتَ في أَصْلِ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالى (بِعَامَّةٍ) بالباءِ، وهيَ روايَةٌ صَحيحةٌ في صَحيحِ مسلِمٍ، وفي بعضِها بِحَذْفِها. قالَ القُرْطُبِيُّ: وكأنَّها زائدةٌ؛ لأنَّ (عَامَّةً) صِفةُ السَّنَةِ، والسَّنَةُ الْجَدْبُ الذي يَكونُ بهِ الْهَلاكُ الْعَامُّ، ويُسَمَّى الْجَدْبُ والْقَحْطُ: سَنَةً. ويُجْمَعُ على سِنِينَ، كما قالَ تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ بِالسِّنِينَ} [الأعراف: 130] ؛ أي: الْجَدْبِ الْمُتَوَالِي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت