فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 339

قولُهُ: (وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ) ؛ أيْ: مِنْ غَيْرِهم مِن الكُفَّارِ منْ إِهلاكِ بعضِهم بَعْضًا، وسَبْيِ بعضِهم بَعْضًا؛ كما هوَ مَبسوطٌ في التاريخِ فيما قِيلَ، وفي زَمَانِنا هذا، نَسألُ اللَّهَ العَفْوَ والعافيَةَ.

قولُهُ: (فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ) ، قالَ الْجَوْهَرِيُّ: بَيْضَةُ كلِّ شيءٍ حَوْزَتُهُ. وبَيْضَةُ الْقَوْمِ ساحَتُهم. وعلى هذا فيكونُ معنى الحديثِ: أنَّ اللَّهَ تعالى لا يُسَلِّطُ العَدُوَّ على كَافَّةِ المسلمينَ حتَّى يَسْتَبِيحَ جَميعَ ما حَازُوهُ مِن البلادِ والأرضِ، ولو اجْتَمَعَ عليهم مَنْ بأقطارِ الأرضِ وهيَ جَوَانِبُها. وقِيلَ: بَيْضَتُهم مُعْظَمُهُم وجَماعتُهم وإنْ قَلُّوا.

قولُهُ: (حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهلِكُ بَعْضًا، وَيَسْبِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا) ، والظاهِرُ أنَّ (حَتَّى) عاطِفَةٌ، أوْ تكونُ لانتهاءِ الغايَةِ؛ أيْ: إنَّ أَمْرَ الأُمَّةِ يَنْتَهِي إلى أَنْ (( يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا ) )الحديثَ. وقدْ سُلِّطَ بعضُهم على بَعْضٍ كما هوَ الوَاقعُ، وذلكَ لكَثرةِ اختلافِهم وتَفَرُّقِهم.

قولُهُ: (وَإِنَّ رَبِّي قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ) ، قالَ بعضُهم: أيْ إذا حَكَمْتُ حُكْمًا مُبْرَمًا نافِذًا فإنَّهُ لا يُرَدُّ بشيءٍ، ولا يَقْدِرُ أَحَدٌ على رَدِّهِ، كما قالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَلَا رَادَّ لِمَا قَضَيْتَ ) ).

قولُهُ: (ورَوَاهُ الْبَرْقَانِيُّ في صَحِيحِهِ) ، هوَ الحافِظُ الكبيرُ أبو بكرٍ أحمدُ بنُ مُحَمَّدِ بنِ أحمدَ بنِ غالِبٍ الخُوَارَزْمِيُّ الشافعيُّ. وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وثلاثينَ وثلاثِمائةٍ، وماتَ سنةَ خَمْسٍ وعشرينَ وأربعِمائةٍ. قالَ الخطيبُ: كانَ ثَبَتًا وَرِعًا، لمْ نَرَ في شُيُوخِنا أَثْبَتَ منهُ؛ عارِفًا بالفِقْهِ كثيرَ التَّصَانيفِ. صَنَّفَ مُسْنَدًا ضَمَّنَهُ ما اشْتَمَلَ عليهِ الصحيحانِ. وجَمَعَ حديثَ الثوريِّ وحديثَ شُعبةَ وطائفةٍ.

وهذا الحديثُ رواهُ أبو دَاوُدَ بتَمامِهِ بسَنَدِهِ إلى أبي قِلابةَ، عنْ أبي أَسماءَ، عنْ ثَوبانَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ اللَّهَ -أَوْ قَالَ: إِنَّ رَبِّي- زَوى لِيَ الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا، وَأُعْطِيتُ الْكَنْزَيْنِ: الْأَحْمَرَ وَالْأَبْيَضَ، وَإِنِّي سَأَلْتُ رَبِّي لِأُمَّتِي أَنْ لَا يُهْلِكَهَا بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَأَنْ لَا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ، وَأَنَّ رَبِّي قَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، إِنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لَا يُرَدُّ، وَلَا أُهْلِكُهُمْ بِسَنَةٍ عَامَّةٍ، وَلَا أُسَلِّطُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ سِوَى أَنْفُسِهِمْ فَيَسْتَبِيحَ بَيْضَتَهُمْ وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِمْ مَنْ بَيْنَ أَقْطَارِهَا -أَوْ قَالَ: بِأَقْطَارِهَا- حَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يُهْلِكُ بَعْضًا، وَحَتَّى يَكُونَ بَعْضُهُمْ يَسْبِي بَعْضًا، وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ، وَإِذَا وُضِعَ السَّيْفُ فِي أُمَّتِي لَمْ يُرْفَعْ عَنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ، وَحَتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الْأَوْثَانَ. وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي، وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ-قَالَ ابنُ عيسى: ظَاهِرِينَ، ثُمَّ اتَّفَقَا- لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ ) ).

ورَوَى أبو دَاوُدَ أيضًا عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ مَسعودٍ، عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (( تَدُورُ رَحَى الْإِسْلَامِ لِخَمْسٍ وَثَلَاثِينَ، أَوْ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ، أَوْ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ، فَإِنْ يَهْلِكُوا فَسَبِيلُ مَنْ هَلَكَ، وَإِنْ يَقُمْ لَهُمْ دِينُهُمْ يَقُمْ سَبْعِينَ عَامًا ) )، قالَ: قُلْتُ: أَمِمَّا بَقِيَ أَوْ مِمَّا مَضَى؟ قَالَ: (( مِمَّا مَضَى ) ).

ورَوَى في سُنَنِهِ أيضًا عنْ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيَنْقُصُ الْعِلْمُ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ ) )، قِيلَ: يَا رَسُولُ اللَّهِ، أَيُّهْ هُوَ؟ قَالَ: (( الْقَتْلُ الْقَتْلُ ) ).

قولُهُ: (وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ) ؛ أي: الأُمراءَ والعُلماءَ والعُبَّادَ، فيَحْكُمُونَ فيهم بغيرِ عِلْمٍ فيُضِلُّونَهم، كما قالَ تعالى: {وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} [الأحزاب: 67] . وكان بعضُ هؤلاءِ يَقولُ لأصحابِهِ: مَنْ كانَ لهُ حَاجةٌ فَيَأْتِ إلى قَبْرِي فَإِنِّي أَقْضِيها لهُ، ولا خَيْرَ في رَجُلٍ يَحْجُبُهُ عنْ أصحابِهِ ذِراعٌ منْ تُرابٍ، أوْ نحوَ هذا. وهذا هوَ الضَّلَالُ البعيدُ، يَدْعُو أصحابَهُ إلى أنْ يَعْبُدُوهُ منْ دُونِ اللَّهِ ويَسأَلُوهُ ما لا يَقْدِرُ عليهِ منْ قَضاءِ حاجاتِهم وتَفريجِ كُرُبَاتِهم، وقدْ قالَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت