فهرس الكتاب
تعالى: {يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ * يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ} [الحجّ: 12 - 13] ، وقالَ تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا} [الفُرْقَان: 3] ، وقالَ تعالى: {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [العنكبوت: 17] . وأمثالُ هذا في القرآنِ كثيرٌ، يُبَيِّنُ اللَّهُ تعالى بهِ الْهُدَى من الضَّلالِ.
ومِنْ هذا الضَّرْبِ: مَنْ يَدَّعِي أنَّهُ يَصِلُ معَ اللَّهِ إلى حَالٍ تَسْقُطُ عنهُ التكاليفُ؛ أوْ يَدَّعِي أنَّ الأولياءَ يُدْعَوْنَ ويُسْتَغَاثُ بهم في حَياتِهم ومَمَاتِهم، وأنَّهُم يَنْفَعُونَ ويَضُرُّونَ ويُدَبِّرُونَ الأُمورَ على سَبيلِ الكَرامةِ، أوْ أنَّهُ يَطَّلِعُ على اللَّوْحِ المحفوظِ، يَعلَمُ أسرارَ الناسِ ومَا في ضَمائِرِهم؛ أوْ يُجَوِّزُ بِناءَ الْمَساجِدِ على قُبورِ الأنبياءِ والصالحينَ وإيقادُها بالسُّرُجِ، ونحوُ ذلكَ من الْغُلُوِّ والإفراطِ والعِبادةِ لغيرِ اللَّهِ. فما أَكْثَرَ هذا الْهَذَيانَ والكُفْرَ والْمُحَادَّةَ للَّهِ ولكتابِهِ ولرسولِهِ.
وقولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (وَإِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ) ، أَتَى بِإِنَّمَا التي قدْ تَأْتِي للحَصْرِ بَيانًا لشِدَّةِ خَوْفِهِ على أُمَّتِهِ منْ أَئِمَّةِ الضَّلَالِ. وما وَقَعَ في خَلَدِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذلكَ إلَّا لِمَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عليهِ منْ غَيْبِهِ أنَّهُ سَيَقَعُ نَظيرَ ما في الحديثِ قَبْلَهُ منْ قولِهِ: (( لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ ) )الحديثَ.
[وَعَنْ أَبي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةُ الْمُضِلِّينَ ) ). رواهُ أبو دَاوُدَ الطَّيَالِسيُّ. وعنْ ثَوبانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( إِنَّمَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّةَ الْمُضِلِّينَ ) ). رواهُ الدَّارِمِيُّ.] [1]
وقدْ بَيَّنَ اللَّهُ تعالى في كتابِهِ صِراطَهُ الْمُستقيمَ الذي هوَ سَبيلُ المؤمنينَ، فكُلُّ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا ليسَ في كتابِ اللَّهِ ولا في سُنَّةِ رسولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فهوَ مَلعونٌ، وحَدَثُهُ مَردودٌ، كما قالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا ) )، وقالَ: (( مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ ) )، وقالَ: (( كُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ) ). وهذهِ أحاديثُ صَحيحةٌ. ومَدارُ أُصولِ الدِّينِ وأَحكامِهِ على هذهِ الأحاديثِ ونَحْوِهَا. وقدْ بَيَّنَ اللَّهُ تعالى هذا الأَصْلَ في مَواضِعَ منْ كتابِهِ العَزيزِ، كما قالَ تعالى: {اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 3] ، وقالَ تعالى: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًَا} [الجاثيَة: 18 - 19] . ونظائِرُها في القرآنِ كَثيرةٌ.
وعنْ زِيادِ بنِ حُدَيْرٍ قالَ: قالَ لي عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هلْ تَعْرِفُ ما يَهْدِمُ الإسلامَ؟ قُلْتُ: لا، قالَ:"يَهْدِمُهُ زَلَّةُ العالِمِ، وجِدالُ الْمُنافِقِ بالكتابِ، وحُكْمُ الأَئِمَّةِ الْمُضِلِّينَ". رواهُ الدَّارِمِيُّ.
وقالَ يَزيدُ بنُ عُمَيْرٍ: كانَ مُعاذُ بنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لا يَجْلِسُ مَجْلِسًا للذِّكْرٍ إلَّا قالَ:"اللَّهُ حَكَمٌ قِسْطٌ: هَلَكَ الْمُرْتَابُونَ". وفيهِ:"وَاحْذَرُوا زَيْغَةَ الْحَكِيمِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَقُولُ الضَّلَالَةَ عَلَى لِسَانِ الْحَكِيمِ، وقدْ يَقولُ الْمُنافِقُ كَلِمَةَ الْحَقِّ"، قُلتُ لِمُعاذٍ: وما يُدْرِينِي رَحِمَكَ اللَّهُ أنَّ الحكيمَ قدْ يَقولُ كَلمةَ الضَّلَالِ، والْمُنافِقَ قدْ يَقولُ كَلمةَ الْحَقِّ؟ قالَ: قالَ لي:"اجْتَنِبْ مِنْ كلامِ الحكيمِ الْمُشْتَبِهَاتِ التي يُقالُ: ما هذهِ؟ ولا يُثْنِيكَ عنهُ، فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ يُراجِعُ الْحَقَّ. وتَلَقَّ الحقَّ إذا سَمِعْتَهُ؛ فإنَّ على الحَقِّ نُورًا". رواهُ أبو دَاوُدَ وغَيْرُهُ.
قولُهُ: (وَإِذَا وَقَعَ عَلَيْهِم السَّيْفُ لَمْ يُرْفَعْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) ، وكذلكَ وَقَعَ؛ فإنَّ السيفَ لَمَّا وَقَعَ بقَتْلِ عُثمانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لمْ يُرْفَعْ، وكذلكَ يكونُ إلى يومِ القِيامةِ. ولكنْ قدْ يَكْثُرُ تَارةً ويَقِلُّ أُخْرى، ويكونُ في جِهةٍ ويَرْتَفِعُ عنْ أُخْرَى.
(1) ما بين المعقوفين غير موجود بالنسخة الأصل.