فهرس الكتاب
قولُهُ: (وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَلْحَقَ حَيٌّ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكِينَ) . (الْحَيُّ) واحدُ الأحياءِ، وهيَ القبائلُ. وفي روايَةِ أبي دَاوُدَ: (( حَتَّى يَلْحَقَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي بِالْمُشْرِكينَ ) )، والمعنى: أنَّهُم يَكونونَ معهم ويَرْتَدُّونَ برَغْبَتِهم عنْ أَهْلِ الإِسلامِ ويَلحقونَ بأَهْلِ الشِّرْكِ.
قولُهُ: (حَتَّى تَعْبُدَ فِئَامٌ مِنْ أُمَّتِي الْأَوْثَانَ) . (الْفِئَامُ) بكَسْرِ الفاءِ مَهموزٌ: الجماعاتُ الكبيرةُ. قالَهُ أبو السَّعَادَاتِ.
وفي روايَةِ أبي دَاوُدَ: (( وَحتَّى تَعْبُدَ قَبَائِلُ مِنْ أُمَّتِي الْأَوْثَانَ ) ).
وهذا هوَ شاهِدُ الترجمةِ؛ ففيهِ الرَّدُّ على مَنْ قالَ بخِلافِهِ مِنْ عُبَّادِ القُبورِ الجاحدينَ لِمَا يَقَعُ منهم من الشِّرْكِ باللَّهِ بعِبادَتِهم الأوثانَ. وذلكَ لِجَهْلِهِم بحقيقةِ التوحيدِ وما يُنَاقِضُهُ من الشِّرْكِ والتنديدِ؛ فالتوحيدُ هوَ أَعْظَمُ مَطلوبٍ، والشِّرْكُ هوَ أَعظَمُ الذنوبِ.
وفي معنى هذا الحديثِ ما في الصحيحيْنِ عنْ أبي هُريرةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا: (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ أَلْيَاتُ نِسَاءِ دَوْسٍ عَلَى ذِي الْخَلَصَةِ ) ). قَالَ: (( وَذُو الْخَلَصَةِ طَاغِيَةُ دَوْسٍ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ) ). ورَوَى ابنُ حِبَّانَ عنْ مَعْمَرٍ قالَ: إِنَّ عَلَيْهِ الآنَ بَيْتًا مَبْنِيًّا مُغْلَقًا.
قالَ العَلَّامَةُ ابنُ الْقَيِّمِ في قِصَّةِ هَدْمِ اللَّاتِ لَمَّا أَسْلَمَتْ ثَقيفٌ: فيهِ أنَّهُ لا يَجُوزُ إِبْقَاءُ مَواضِعِ الشِّرْكِ والطواغيتِ بعدَ القُدْرَةِ على هَدْمِها وإِبْطَالِها يَوْمًا واحدًا. وكذلكَ حُكْمُ الْمَشَاهِدِ التي بُنِيَتْ على الْقُبُورِ، والتي اتُّخِذَتْ أوثانًا تُعْبَدُ منْ دُونِ اللَّهِ؛ والأحجارُ التي تُقْصَدُ للتَّبَرُّكِ والنَّذْرِ، لا يَجوزُ إبقاءُ شيءٍ منها على وَجْهِ الأرضِ معَ الْقُدْرَةِ على إِزالتِها، وكَثيرٌ منها بِمَنْزِلَةِ اللَّاتِ والْعُزَّى ومَناةَ، أوْ أَعظمَ شِرْكًا عندَها وَبِهَا. فاتَّبَعَ هؤلاءِ سَنَنَ مَنْ كانَ قَبْلَهم، وسَلَكُوا سَبيلَهم حَذْوَ القُذَّةِ بالْقُذَّةِ. وغَلَبَ الشِّرْكُ على أَكثرِ النُّفُوسِ لظُهورِ الجَهْلِ وخَفاءِ العِلْمِ. وصارَ المعروفُ مُنْكَرًا والْمُنْكَرُ مَعروفًا، والسُّنَّةُ بِدْعَةً والْبِدْعَةُ سُنَّةً. وطُمِسَت الأعلامُ، واشْتَدَّتْ غُربةُ الإِسلامِ، وقَلَّ العُلماءُ، وغَلَبَ السُّفهاءُ، وتَفَاقَمَ الأَمْرُ، واشْتَدَّ البأسُ؛ وظَهَرَ الفَسادُ في الْبَرِّ والبَحْرِ بما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ. ولكنْ لا تَزالُ طائفةٌ من العِصابةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ بالحقِّ قَائِمِينَ؛ ولأهلِ الشرْكِ والبِدَعِ مُجاهِدِينَ، إلى أنْ يَرِثَ اللَّهُ الأَرْضَ ومَنْ عَلَيْهَا وهوَ خَيْرُ الوارثينَ. انتهى مُلَخَّصًا.
قُلْتُ: فإذا كانَ هذا في القرنِ السابعِ وقَبْلَهُ، فَمَا بَعدَهُ أَعظَمُ فَسادًا كما هوَ الوَاقعُ.
قولُهُ: (وَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ ثَلَاثُونَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ) . قالَ القُرطبيُّ: وقدْ جاءَ عَدَدُهم مُعَيَّنًا في حديثِ حُذيفةَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( يَكُونُ فِي أُمَّتِي كَذَّابُونَ دَجَّالُونَ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ؛ مِنْهُمْ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ ) ). أخْرَجَهُ أبو نُعَيْمٍ. وقالَ: هذا حَديثٌ غريبٌ. انتهى.
وحديثُ ثَوْبَانَ أَصَحُّ منْ هذا.
قالَ القاضي عِياضٌ: عُدَّ مَنْ تَنَبَّأَ مِنْ زَمَنِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى الآنَ مِمَّن اشْتُهِرَ بذلكَ وَعُرِفَ واتَّبَعَهُ جَماعةٌ على ضَلالةٍ، فَوُجِدَ هذا العَدَدُ فيهم، ومَنْ طالَعَ كُتُبَ الأخبارِ والتواريخِ عَرَفَ صِحَّةَ هذا.
وقالَ الحافظُ: وقدْ ظَهَرَ مِصْدَاقُ ذلكَ في زَمَنِ رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فخَرَجَ مُسَيْلِمَةُ الكَذَّابُ باليَمامةِ، والأسودُ العَنْسِيُّ باليَمَنِ. وفي خِلافةِ أبي بَكْرٍ: طُلَيْحَةُ بنُ خُوَيْلِدٍ في بني أَسَدِ بنِ خُزَيْمَةَ، وسَجَاحِ في بني تَميمٍ. وَقُتِلَ الأسودُ قبلَ أنْ يَموتَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقُتِلَ مُسَيْلِمَةُ في خِلافةِ أبي بَكرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وتَابَ طُلَيْحَةُ وماتَ على الإِسلامِ في زَمَنِ عمرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. ونُقِلَ أنَّ سَجَاحِ تَابَتْ أيضًا. ثمَّ خَرَجَ الْمُخْتَارُ بنُ أبي عُبَيْدٍ الثَّقَفِيُّ وغَلَبَ على الكُوفةِ في أَوَّلِ خِلافةِ ابنِ الزُّبَيْرِ. فَأَظْهَرَ مَحَبَّةَ أهلِ البيتِ ودَعَا الناسَ إلى طَلَبِ قَتَلَةِ الْحُسينِ، فتَتَبَّعَهُم فقَتَلَ كثيرًا مِمَّنْ باشَرَ ذلكَ؛ وأَعانَ عليهِ، فأَحَبَّهُ الناسُ.