فهرس الكتاب
ثمَّ ادَّعَى النُّبُوَّةَ وزَعَمَ أنَّ جِبريلَ عليهِ السلامُ يَأْتِيهِ. ومنهم الْحَارِثُ الكَذَّابُ، خَرَجَ في خِلافةِ عبدِ الْمَلِكِ بنِ مَرْوانَ فَقُتِلَ. وخَرَجَ في خِلافةِ بني العَبَّاسِ جَماعةٌ.
وليسَ الْمُرادُ بالحديثِ مَن ادَّعَى النُّبُوَّةَ مُطْلَقًا؛ فإنَّهُم لا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً؛ لكونِ غالِبِهم يَنْشَأُ عنْ جُنونٍ أوْ سَوْدَاءَ، وإنَّما المرادُ مَنْ قامَتْ لهُ شَوكةٌ، وبَدَا لهُ شُبْهَةٌ كمَنْ وَصَفْنَا.
وقدْ أَهْلَكَ اللَّهُ تعالى مَنْ وَقَعَ لهُ منهم ذلكَ، وبَقِيَ منهم مَنْ يُلْحِقُهُ بأصحابِهِ، وآخِرُهم الدَّجَّالُ الأَكْبَرُ.
قولُهُ: (وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ) . قالَ الحسَنُ: خاتَمُ: الذي خُتِمَ بهِ؛ أيْ: أنَّهُ آخِرُ النَّبِيِّينَ، كما قالَ تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} [الأحزاب: 40] . وإنَّما يَنْزِلُ عِيسَى ابنُ مَريمَ في آخِرِ الزمانِ حاكِمًا بشريعةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَلِّيًا إلى قِبْلَتِهِ، فهوَ كأَحَدِ أُمَّتِهِ، بلْ هوَ أَفْضَلُ هذهِ الأُمَّةِ، قالَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيَنْزِلَنَّ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ، وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ، وَلَيَضَعَنَّ الْجِزْيَةَ ) ).
قولُهُ: (وَلَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ مَنْصُورَةً لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ) . قالَ يَزيدُ بنُ هَارونَ وأحمدُ بنُ حَنْبَلٍ:"إِنْ لَمْ يَكُونوا أهلَ الحديثِ، فلا أَدْرِي مَنْ هُمْ؟".
قالَ ابنُ الْمُبَارَكِ وعليُّ بنُ الْمَدِينِيِّ وأحمدُ بنُ سِنانٍ والبخاريُّ وغيرُهم:"إنَّهُم أهلُ الحديثِ". وعن ابنِ الْمَدِينِيِّ روايَةٌ:"هُم الْعَرَبُ"، واسْتَدَلَّ برِوايَةِ مَنْ رَوَى: (( هُمْ أَهْلُ الْغَرْبِ ) )، وَفَسَّرَ الغَرْبَ بِالدَّلْوِ العَظِيمَةِ؛ لأنَّ العَرَبَ هم الذينَ يَسْتَقُونَ بها.
قالَ النَّوَوِيُّ: يَجوزُ أنْ تَكُونَ الطائفةُ جماعةً مُتَعَدِّدَةً منْ أنواعِ المؤمنينَ ما بينَ شُجاعٍ وبَصيرٍ بالْحَرْبِ، وفقيهٍ ومُحَدِّثٍ ومُفَسِّرٍ؛ وقائمٍ بالأمْرِ بالمعروفِ والنهيِ عن الْمُنْكَرِ، وزاهِدٍ وعابِدٍ. ولا يَلْزَمُ أن يكونوا مُجْتَمِعِينَ في بَلَدٍ واحدٍ؛ بلْ يَجوزُ اجْتِمَاعُهُم في قُطْرٍ واحدٍ، وافْتِرَاقُهم في أقطارِ الأرضِ، ويَجوزُ أنْ يَجْتَمِعُوا في البلَدِ الواحدِ وأنْ يكُونُوا في بعضٍ دونَ بعضٍ منهُ، ويَجوزُ إخلاءُ الأرضِ منْ بعضِهم أوَّلًا فأوَّلًا إلى أنْ لا يَبْقَى إلَّا فِرقةٌ وَاحدةٌ ببَلَدٍ واحدٍ، فإذا انْقَرَضُوا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ. انتهَى مُلَخَّصًا معَ زِيادةٍ فيهِ. قالَهُ الحافِظُ.
قالَ القُرْطُبِيُّ: وفيهِ دَليلٌ على أنَّ الإجماعَ حُجَّةٌ؛ لأنَّ الأُمَّةَ إذا اجْتَمَعَتْ فقدْ دَخَلَ فيهم الطائفةُ المنصورةُ.
قالَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: (وفيهِ الآيَةُ العَظيمةُ: أنَّهُم معَ قِلَّتِهِم لا يَضُرُّهُم مَنْ خَذَلَهم ولا مَنْ خَالَفَهم. والبِشارةُ بأنَّ الْحَقَّ لا يَزولُ بالْكُلِّيَّةِ) .
قُلْتُ: واحْتَجَّ بهِ الإمامُ أحمدُ على أنَّ الاجتهادَ لا يَنْقَطِعُ ما دَامَتْ هذهِ الطائفةُ مَوجودةً.
قولُهُ: (حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ) . الظاهِرُ أنَّ المرادَ بهِ ما رُوِيَ مِنْ قَبْضِ مَنْ بَقِيَ مِن المؤمنينَ بالريحِ الطَّيِّبَةِ؛ ووُقوعِ الآياتِ العِظامِ، ثمَّ لا يَبْقَى إلَّا شِرارُ الناسِ، كما رَوَى الحاكِمُ أنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ قالَ:"لَا تَقُومُ الساعةُ إلَّا على شِرارِ الْخَلْقِ، هُم شَرُّ أهلِ الْجَاهليَّةِ"، فقالَ عُقبةُ بنُ عامرٍ لعبدِ اللَّهِ: أَعْلَمُ ما تَقولُ، وأمَّا أنا فسَمِعْتُ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: (( لَا تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِي يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ ظَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ) )، قالَ عبدُ اللَّهِ:"وَيَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا رِيحُها الْمِسْكُ، ومَسُّها مَسُّ الحريرِ، فلا تَتْرُكُ أَحَدًا في قَلْبِهِ مِثقالُ ذَرَّةٍ منْ إيمانٍ إلَّا قَبَضَتْهُ، ثمَّ يَبْقَى شِرارُ الناسِ، فعليهم تَقومُ الساعةُ". وفي صحيحِ مسلِمٍ: (( لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللَّهُ اللَّهُ ) ).
وعلى هذا؛ فالمرادُ بقولِهِ في حديثِ عُقبةَ وما أَشْبَهَهُ: (( حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ ) )، ساعتُهم، وهيَ وقتُ مَوْتِهم بِهُبوبِ الريحِ. ذَكَرَهُ الحافِظُ.