فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 339

وقد اخْتُلِفَ في مَحَلِّ هذهِ الطائفةِ؛ فقالَ ابنُ بَطَّالٍ: إنَّها تَكونُ في بيتِ الْمَقْدِسِ، كما رواهُ الطبرانيُّ مِنْ حديثِ أبي أُمامةَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: (( بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ ) ). وقالَ مُعاذُ بنُ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:"هُمْ بِالشَّامِ". وفي كلامِ الطبريِّ ما يَدُلُّ على أنَّهُ لا يَجِبُ أن تَكونَ في الشامِ أوْ في بيتِ الْمَقْدِسِ دائمًا، بلْ قدْ تكونُ في مَوْضِعٍ آخَرَ في بعضِ الأَزْمِنَةِ.

قلتُ: ويَشهَدُ لهُ الواقعُ وحالُ أهلِ الشامِ وأهلِ بيتِ الْمَقْدِسِ، فإنَّهُم منْ أَزْمِنَةٍ طَويلةٍ لا يُعْرَفُ فيهم مَنْ قامَ بهذا الأَمْرِ بعدَ شيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيْمِيَّةَ وأصحابِهِ في القَرنِ السابعِ وأَوَّلِ الثامنِ، فإنَّهُم كانوا في زَمانِهم على الحقِّ يَدْعُون إليهِ، ويُنَاظِرونَ عليهِ، ويُجَاهِدونَ فيهِ. وقدْ يَجيءُ منْ أمثالِهم بَعْدُ بالشامِ مَنْ يَقومُ مَقامَهم بالدعوةِ إلى الحقِّ والتَّمَسُّكِ بالسُّنَّةِ. واللَّهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ.

ومِمَّا يُؤَيِّدُ هذا أنَّ أهلَ الْحَقِّ والسُّنَّةِ في زَمَنِ الأَئِمَّةِ الأربعةِ وتَوافُرِ العلماءِ في ذلكَ الزمانِ وقَبْلَهُ وبَعْدَهُ لمْ يكُونوا في مَحَلٍّ واحدٍ، بلْ هم في غَالبِ الأمصارِ؛ في الشامِ منهم أئِمَّةٌ، وفي الْحِجازِ وفي مِصْرَ، وفي العِراقِ واليَمَنِ، وكلُّهم على الحقِّ يُنَاضِلونَ، ويُجاهِدونَ أَهْلَ الْبِدَعِ، ولهم الْمُصَنَّفاتُ التي صارَتْ أَعلامًا لأَهْلِ السُّنَّةِ، وحُجَّةً على كُلِّ مُبْتَدِعٍ.

فعلى هذا؛ فهذهِ الطائفةُ قدْ تَجْتَمِعُ وقدْ تَفْتَرِقُ، وقدْ تكونُ في الشَّامِ، وقدْ تكونُ في غيرِهِ؛ فإنَّ حديثَ أبي أُمامةَ وقولَ مُعاذٍ لا يُفيدُ حَصْرَها بالشامِ، وإنَّما يُفيدُ أنَّها تَكونُ في الشامِ في بعضِ الأزمانِ لا في كُلِّها.

[وكلُّ جُملةٍ منْ هذا الحديثِ عَلَمٌ منْ أعلامِ النُّبُوَّةِ؛ فإنَّ كُلَّ ما أَخْبَرَ بهِ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في هذا الحديثِ وَقَعَ كما أَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] [1] .

وقولُهُ: (تَبَارَكَ وَتَعَالى) . قالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ: البَرَكَةُ نَوْعَانِ:

أحدُهما: بَرَكَةٌ هيَ فَعَلَةٌ، والفِعْلُ منها بارَكَ، ويَتَعَدَّى بنَفْسِهِ تارةً وبأداةِ (على) تارةً، وبأداةِ (فِي) تارةً، والمفعولُ منها مُبَارَكٌ. وهوَ ما جُعِلَ منها كذلكَ؛ فكانَ مُبارَكًا بِجَعْلِهِ تعالى.

والنوعُ الثاني: بَرَكَةٌ تُضافُ إليهِ إضافةَ الرحمةِ والْعِزَّةِ؛ والفِعْلُ منها تَبَارَكَ، ولهذا لا يُقالُ لغيرِهِ ذلكَ، ولا يَصْلُحُ إلَّا لهُ عزَّ وجَلَّ؛ فهوَ سُبحانَهُ الْمُبارِكُ، وعبدُهُ ورسولُهُ الْمُبَارَكُ، كما قالَ المسيحُ عليهِ السلامُ: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ} [مريم: 31] . فَمَنْ يُبَارِكُ اللَّهُ فيهِ وَعَلَيْهِ فهوَ المُبَارَكُ.

وأمَّا صِفَتُهُ تَبَارَكَ فمُخْتَصَّةٌ بهِ، كما أَطْلَقَهُ على نفسِهِ في قولِهِ: {تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54] ، {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الملك: 1] . أفلا تَرَاهَا كيفَ اطَّرَدَتْ في القرآنِ جَاريَةً عليهِ مُخْتَصَّةً بهِ لا تُطْلَقُ على غيرِهِ؟ وجاءَتْ على بِناءِ السَّعَةِ والْمُبالَغَةِ، كتعالَى وتَعَاظَمَ ونحْوِهِ، فجاءَ بِناءُ (تَبَارَكَ) على بِناءِ (تعالى) الذي هوَ دَالٌّ على كَمالِ الْعُلُوِّ ونِهايتِهِ. فكذلكَ تَبَارَكَ دَالٌّ على كَمالِ بَرَكَتِهِ وعَظَمَتِهِ وسَعَتِها. وهذا معنى قولِ مَنْ قالَ من السلَفِ: (تَبَارَكَ) : تَعَاظَمَ. وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ: جاءَ بكلِّ بَرَكَةٍ.

(1) ما بين المعقوفين غير موجود في النسخة الأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت