فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 339

قَوْلُهُ: (شُعْبَةً) أيْ: طائفةً منْ عِلْمِ النُّجومِ. والشُّعْبَةُ الطائفةُ، ومنهُ الحديثُ: (( الْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ ) )أيْ: جُزْءٌ منهُ.

قَوْلُهُ: (فَقَد اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ السِّحْرِ) الْمُحَرَّمِ تَعَلُّمُهُ.

قالَ شيخُ الإِسلامِ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: فقدْ صَرَّحَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنَّ عِلْمَ النُّجومِ من السِّحْرِ، وقدْ قالَ تعالَى: {وَلَاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه: 69] .

قَوْلُهُ: (زَادَ مَا زَادَ) أيْ: كُلَّمَا زادَ مِنْ تَعَلُّمِ عِلْمِ النجومِ زادَ في الإِثْمِ الحاصلِ بزيادةِ الاقتباسِ منْ شُعَبِهِ، فإنَّ ما يَعْتَقِدُهُ في النجومِ من التأثيرِ باطلٌ، كما أنَّ تَأثيرَ السحْرِ باطلٌ، واللَّهُ أعلمُ.

(4) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وللنَّسائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ:(( مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيها فَقَدْ سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ ) )) هذا حديثٌ ذَكَرَه الْمُصَنِّفُ منْ حَديثِ أبي هُريرةَ، وعَزاهُ للنَّسائيِّ، وقدْ رَواهُ النسائيُّ مَرفوعًا وحَسَّنَه ابنُ مُفْلِحٍ.

قَوْلُهُ: (وللنَّسائيِّ) هوَ الإِمامُ الحافظُ أحمدُ بنُ شُعَيْبِ بنِ عَلِيِّ بنِ سِنانِ بنِ بَحْرِ بنِ دِينارٍ أبو عبدِ الرحمنِ، صاحبُ السُّنَنِ وغيرِها. ورَوَى عنْ مُحَمَّدِ بنِ الْمُثَنَّى، وابنِ بَشَّارٍ، وقُتَيْبَةَ، وخَلْقٍ، وكان إليه الْمُنْتَهَى في العِلْمِ بِعِلَلِ الحديثِ، ماتَ سنةَ ثلاثٍ وثلاثِمائةٍ، ولهُ ثَمانٌ وثَمانونَ سنةً، رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى.

قَوْلُهُ: (مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيها فَقَدْ سَحَرَ) اعْلَمْ أنَّ السَّحَرَةَ إذا أَرَادُوا عَمَلَ السِّحْرِ عَقَدُوا الْخُيوطَ ونَفَثُوا علَى كُلِّ عُقْدَةٍ، حتَّى يَنْعَقِدَ ما يُريدونَ من السِّحْرِ، قالَ تعالَى: {وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} يعني: السواحِرَ اللاتِي يَفْعَلْنَ ذلكَ، والنَّفْثُ هوَ: النَّفْخُ معَ رِيقٍ، وهوَ دُونَ التَّفْلِ. والنَّفْثُ: فِعْلُ الساحرِ، فإذا تَكَيَّفَتْ نفسُهُ بالْخُبْثِ والشَّرِّ الذي يُرِيدُهُ لِلمسحورِ ويَستعينُ عليهِ بالأرواحِ الْخَبيثةِ نَفَخَ في تلكَ العُقْدَةِ نَفْخًا معه رِيقٌ. فيَخْرُجُ منْ نَفْسِهِ الخبيثةِ نفَسٌ مُمَازِجٌ للشَّرِّ والأَذَى، مُقترِنٌ للرِّيقِ الْمُمَازِجِ لذلكَ، وقدْ يَتَسَاعَدُ هوَ والروحُ الشيطانيَّةُ علَى أَذَى الْمَسحورِ، فيُصِيبُهُ السحْرُ بإِذْنِ اللَّهِ الكَوْنِيِّ القَدَرِيِّ لا الشرعيِّ؛ قالَه ابنُ الْقَيِّمِ.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ) نَصٌّ في أنَّ الساحِرَ مُشْرِكٌ، إذْ لا يَتَأَتَّى السِّحْرَ بدُونِ الشِّرْكِ كما حَكاهُ الحافظُ عنْ بَعْضِهم.

قَوْلُهُ: (وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ) أيْ: مَنْ تَعَلَّقَ قَلْبُهُ شيئًا: بحيث يَعْتَمِدُ عليهِ ويَرجوهُ وَكَلَهُ اللَّهُ إلَى ذلكَ الشيءِ، فمَنْ تَعَلَّقَ علَى رَبِّهِ وإِلَهِهِ وسَيِّدِهِ ومَولاهُ رَبِّ كلِّ شيءٍ ومَلِيكِهِ، كَفَاهُ ووَقَاهُ وحَفِظَه وتَوَلَّاهُ، فنِعْمَ الْمَوْلَى ونِعْمَ النصيرُ، قالَ تعالَى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} ؟ [الزمر: 36] ، ومَنْ تَعَلَّقَ علَى السَّحَرَةِ والشياطينِ وغيرِهم مِن المخلوقينِ وَكَلَهُ اللَّهُ إلَى مَنْ تَعَلَّقَه فهَلَكَ، ومَنْ تَأَمَّلَ ذلكَ في أَحوالِ الْخَلْقِ ونَظَرَ بعينِ البصيرةِ رأَى ذلكَ عِيانًا؛ وهذا منْ جَوامعِ الكَلِمِ، واللَّهُ أَعْلَمُ.

(5) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وعن ابنِ مسعودٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ:(( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعَضْهُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ، الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ ) )رواه مسلِمٌ).

قولُهُ: (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ) : أُخْبِرُكُم، و (العَضْهُ) بفَتْحِ الْمُهمَلَةِ وسكونِ الْمُعْجَمَةِ؛ قالَ أبو السَّعاداتِ: هكذا يُرْوَىَ في كُتُبِ الحديثِ، والذي في كُتُبِ الغريبِ: (( أَلَا أُنَبِّئُكُمْ مَا الْعِضَهُ ) )بكَسْرِ العَيْنِ وفَتْحِ الضادِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَصْلُها (( العِضْهَةُ ) )فِعْلَةٌ من الْعِضَهِ: وهوَ البَهْتُ، فحُذِفَتْ لامُهُ، كما حُذِفَتْ من السَّنَةِ والشَّفَةِ؛ وتُجْمَعُ علَى (عِضِينَ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت