فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 339

ثم فَسَّرَه بقَوْلِهِ: (هِيَ النَّمِيمَةُ الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ) ، فأُطْلِقَ عليها (الْعِضَهَ) ؛ لأنَّها لا تَنْفَكُّ عن الكَذِبِ والبُهتانِ غَالِبًا، ذَكَرَه القُرْطُبِيُّ.

وذَكَرَ ابنُ عبدِ الْبَرِّ، عنْ يَحْيَى بنِ أبي كَثيرٍ قالَ: (( يُفْسِدُ النَّمَّامُ وَالْكَذَّابُ فِي سَاعَةٍ مَا لَا يُفْسِدُ السَّاحِرُ فِي سَنَةٍ ) ).

وقالَ أبو الْخَطَّابِ في (عُيونِ المسائلِ) : ومِن السحْرِ السعيُ بالنميمةِ والإفسادُ بينَ الناسِ.

قالَ في الفُروعِ: (ووَجْهُهُ أن يَقْصِدَ الأَذَى بكلامِهِ وعَمَلِهِ علَى وَجْهِ الْمَكْرِ والْحِيلَةِ، أَشْبَهَ السحْرَ، وهذا يُعْرَفُ بالعُرْفِ والعَادَةِ أنَّهُ يُؤَثِّرُ ويُنْتِجُ ما يَعْمَلُهُ السحْرُ، أوْ أَكْثَرَ، فيُعْطَى حُكْمَهُ تَسْوِيَةً بينَ الْمُتماثِلَيْنِ أو الْمُتقارِبَيْنِ، لكن يُقالُ: الساحرُ إنَّما يَكْفُرُ لوَصْفِ السِّحْرِ، وهوَ أَمْرٌ خاصٌّ ودَليلُهُ خاصٌّ، وهذا ليسَ بسَاحرٍ، وإنما يُؤَثِّرُ عَمَلُهُ ما يُؤَثِّرُهُ فيُعْطَى حُكْمَه إلَّا فيما اخْتَصَّ بهِ من الكُفْرِ وعَدَمِ قَبولِ التَّوْبَةِ) انتهَى مُلَخَّصًا، وبهِ يَظْهَرُ مُطابَقَةُ الحديثِ للتَّرْجَمَةِ.

وهو يَدُلُّ علَى تَحريمِ النَّميمةِ؛ وهوَ مُجْمَعٌ عليهِ، قالَ ابنُ حَزْمٍ: اتَّفَقُوا علَى تَحريمِ الغِيبَةِ والنَّميمةِ في غيرِ النَّصيحةِ الواجبةِ، وفيهِ دَليلٌ علَى أنَّها من الكَبائرِ.

قَوْلُهُ: (القالَةُ بَيْنَ النَّاسِ) قالَ أبو السَّعاداتِ: أيْ: كَثرةُ القولِ، وإيقاعُ الْخُصومةِ بينَ الناسِ، ومنهُ الحديثُ: (( فَفَشَتِ الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ ) ).

(6) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَلَهُما عَنِ ابنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ:(( إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْرًا ) )) البيانُ البَلاغةُ والفَصَاحَةُ.

قالَ صَعْصَعَةُ بنُ صُوحانَ:"صَدَقَ نبيُّ اللَّهِ، فإنَّ الرجُلَ يكونُ عليهِ الحَقُّ، وهوَ أَلْحَنُ بالْحُجَجِ منْ صاحبِ الْحَقِّ، فيَسْحَرُ القومَ ببيانِهِ فيَذْهَبُ بالحقِّ".

وقالَ ابنُ عبدِ الْبَرِّ: تَأَوَّلَتْهُ طائفةٌ علَى الذَّمِّ؛ لأنَّ السِّحْرَ مَذمومٌ، وذَهَبَ أَكثرُ أَهْلِ العِلمِ وجَماعةُ أَهْلِ الأَدَبِ إلَى أنَّهُ علَى الْمَدْحِ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالَى مَدَحَ الْبَيَانَ، قالَ: وقدْ قالَ عمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ لرَجُلٍ سَأَلَه عنْ حَاجةٍ فأَحْسَنَ الْمَسألةَ فأَعْجَبَه قولُهُ، قالَ:"هذا واللَّهِ السِّحْرُ الحَلالُ"انْتَهَى. والأَوَّلُ أَصَحُّ، والمرادُ بهِ البيانُ الذي فيهِ تَمويهٌ علَى السامِعِ وتَلبيسٌ، كما قالَ بعضُهم:

في زُخْرُفِ القولِ تزيينٌ لبَاطِلِهِ والحقُّ قدْ يَعْتَرِيهِ سُوءُ تَعبِيرِ

مأخوذٌ منْ قولِ الشاعرِ:

تَقُولُ: هذا مُجَاجُ النَّحْلِ، تَمْدَحُهُ وإنْ تَشَْأ قُلْتَ: ذا قَيْءُ الزَّنَابِيرِ

مَدْحًا وذَمًّا، وما جَاوَزْتَ وَصْفَهُما والحقُّ قدْ يَعْتَرِيهِ سوءُ تعبيرِ

قَوْلُهُ: (إنَّ مِنَ البيانِ لَسِحْرًا) هذا من التشبيهِ البليغِ؛ لكونِ ذلكَ يَعمَلُ عَمَلَ السحْرِ، فيَجْعَلُ الحقَّ في قالَبِ الباطِلِ، والباطلَ في قالَبِ الحقِّ، فيَسْتَمِيلُ بهِ قُلوبَ الْجُهَّالِ، حتَّى يَقْبَلُوا الباطِلَ ويُنْكِرُوا الحقَّ، ونَسألُ اللَّهَ الثباتَ والاستقامةَ علَى الْهُدَى.

وأمَّا البَيانُ الذي يُوَضِّحُ الحقَّ ويُقَرِّرُهُ، ويُبْطِلُ الباطِلَ ويُبَيِّنُهُ، فهذا هوَ الممدوحُ، وهكذا حالُ الرُّسُلِ وأَتْبَاعِهم، ولهذا عَلَتْ مَراتِبُهم في الفَضائلِ وعَظُمَتْ حَسَنَاتُهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت