فهرس الكتاب

الصفحة 184 من 339

قولُهُ: (مَنْ أَتَى عَرَّافًا) سَيأتِي بَيانُ الْعَرَّافِ إنْ شاءَ اللَّهُ تعالَى. وظَاهِرُ الحديثِ أنَّ الوَعيدَ مُرَتَّبٌ علَى مَجِيئِهِ وسُؤالِهِ، سواءٌ صَدَّقَهُ أوْ شَكَّ في خَبَرِهِ؛ فإنَّ في بعضِ رِواياتِ الصحيحِ: (( مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ) ).

قولُهُ: (لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صلاةُ) إذا كانت هذه حالَ السائلِ، فكيفَ بالمسؤولِ؟ قالَ النَّوَوِيُّ وغيرُهُ: مَعناهُ أنَّهُ لا ثَوابَ لهُ فيها، وإن كانتْ مُجْزِئَةً بسُقوطِ الْفَرْضِ عنه، ولا بُدَّ منْ هذا التأويلِ في هذا الحديثِ؛ فإنَّ العُلماءَ مُتَّفِقُونَ علَى أنَّهُ لا يَلْزَمُ مَنْ أَتَى العَرَّافَ إعادةُ صَلاةِ أربعينَ ليلةً. انتهَى مُلَخَّصًا.

وفي الحديثِ: النَّهْيُ عنْ إِتيانِ الكاهنِ ونحوِهِ، قالَ القُرطبيُّ: يَجِبُ علَى مَنْ قَدَرَ علَى ذلكَ مِنْ مُحْتَسِبٍ وغيرِهِ أن يُقِيمَ مَنْ يَتَعَاطَى شَيْئًا منْ ذلكَ في الأسواقِ ويُنْكِرَ عليهم أَشَدَّ النَّكيرِ، وعلَى مَنْ يَجيءُ إليهم، ولا يُغْتَرُّ بصِدْقِهم في بعضِ الأُمورِ ولا بِكثرةِ مَنْ يَجيءُ إليهم مِمَّنْ يَنتسِبُ إلَى العِلْمِ، فإنَّهُم غيرُ رَاسخينَ في العِلْمِ، بلْ من الْجُهَّالِ بما في إِتيانِهم من الْمَحْذُورِ.

(3) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: (وَعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ:(( مَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِما يَقولُ فَقَدْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) )رواهُ أبو دَاوُدَ).

وفي روايَةِ أبي دَاوُدَ: (( أَوْ أَتَى امْرَأَةً - قالَ مُسَدَّدٌ: امْرَأَتَهُ - حَائِضًا، أَوْ أَتَى امْرَأَةً - قَالَ مُسَدَّدٌ: امْرَأَتَهُ - في دُبُرِهَا، فَقَدْ بَرِئَ مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) )، فنَاقِلُ هذا الحديثِ من السُّنَنِ حَذَفَ منهُ هذه الجُملةَ واقْتَصَرَ علَى ما يُناسِبُ التَّرْجَمَةَ.

(4) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: (وَلِلأَرْبَعَةِ، والحاكمِ، وَقَالَ: صحيحٌ علَى شَرْطِهِما عَنْ ...:(( مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِما يَقولُ فَقَدْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ علَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ).

هكذا بَيَّضَ الْمُصَنِّفُ لاسمِ الراوي، وقدْ رواهُ أَحمدُ والبيهقيُّ والحاكمُ، عنْ أبي هُريرةَ مَرفوعًا.

قولُهُ: (مَنْ أَتَى كاهِنًا) قالَ بعضُهم: لا تَعَارُضَ بينَ هذا وبينَ حَديثِ: (( مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ) )هذا علَى قولِ مَنْ يَقولُ: هوَ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، أمَّا علَى قولِ مَنْ يَقولُ بظَاهِرِ الحديثِ فيُسْأَلُ عنْ وَجْهِ الجَمْعِ بينَ الحديثينِ، وظاهِرُ الحديثِ أنَّهُ يَكْفُرُ مَتَى اعْتَقَدَ صِدْقَهُ بأيِّ وَجْهٍ كان، وكان غالِبُ الْكُهَّانِ قَبلَ النُّبُوَّةِ إنَّما كانوا يَأخذونَ عن الشياطينِ.

قولُهُ: (فَقَدْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ علَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قالَ القُرْطُبِيُّ: الْمُرَادُ بالْمُنْزَلِ: الكتابُ والسُّنَّةُ، انتهَى.

وهل الكُفْرُ في هذا الْمَوْضِعِ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، فلا يَنْقُلُ عن الْمِلَّةِ، أَمْ يُتَوَقَّفُ فيهِ فلا يُقالُ: يُخْرِجُ عن الْمِلَّةِ ولا يُخْرِجُ؟ وهذا أَشْهَرُ الروايتينِ عنْ أَحْمَدَ، رَحِمَهُ اللَّهُ.

قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: (ولأبي يَعْلَى بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابنِ مَسْعودٍ مِثلُهُ موْقُوفًا) .

أبو يَعْلَى اسمُهُ أَحمدُ بنُ عليِّ بنِ الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيُّ الإِمامُ، صاحبُ التصانيفِ كالْمُسْنَدِ وغيرِهِ، روَى عنْ يَحْيَى بنِ مَعينٍ، وأبي خَيْثَمَةَ، وأبي بكرِ بنِ أبي شَيْبَةَ، وخَلْقٍ، وكان من الأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ؛ ماتَ سَنَةَ سَبْعٍ وثلاثِمائةٍ.

وهذا الأَثَرُ رواهُ البزَّارُ أيضًا ولَفْظُهُ: (( مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ سَاحِرًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) )، وفيهِ دَليلٌ علَى كُفْرِ الكاهِنِ والساحرِ؛ لأنهما يَدَّعِيَانِ عِلْمَ الغَيْبِ وذلكَ كُفْرٌ؛ والْمُصَدِّقُ لهما يَعْتَقِدُ ذلكَ ويَرَى بهِ، وذلكَ كُفْرٌ أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت