فهرس الكتاب
(5) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: (وَعَنْ عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ مَرْفوعًا:(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أوْ تَكَهَّنَ أوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ، وَمَنْ أَتَى كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ علَى مُحَمّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) )رواهُ البزَّارُ بإسنادٍ جيِّدٍ.
ورواهُ الطَّبرانيُّ بإسنادٍ حَسَنٍ مِنْ حَديثِ ابنِ عَبَّاسٍ دونَ قوْلِهِ: (( وَمَنْ أَتَى كاهنًا - إلَى آخِرِهِ ) ).
قولُهُ: (لَيْسَ مِنَّا) فيهِ وَعِيدٌ شَديدٌ يَدُلُّ علَى أنَّ هذه الأمورَ من الكبائرِ، وتَقَدَّمَ أنَّ الكَهانةَ والسِّحْرَ كُفْرٌ.
قولُهُ: (مَنْ تَطَيَّرَ) أيْ: فَعَلَ الطِّيَرَةَ (أوْ تُطُيِّرَ لَهُ) أيْ: قَبِلَ قولَ الْمُتَطَيِّرِ لهُ وتَابَعَهُ، كذا معنَى: (( أوْ تَكَهَّنَ أوْ تُكُهِّنَ لَهُ ) )، كالذي يأتي الكاهِنَ ويُصَدِّقُهُ ويُتَابِعُهُ، وكذلكَ مَنْ عَمِلَ الساحِرُ لهُ السحْرَ.
فكُلُّ مَنْ تَلَقَّى هذه الأُمورَ عَمَّنْ تَعاطاها فقدْ بَرِئَ منهُ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لكَوْنِها إمَّا شِرْكًا: كالطِّيَرَةِ، أوْ كُفْرًا: كالكَهانةِ والسحْرِ، فمَنْ رَضِيَ بذلكَ وتَابَعَ فهوَ كالفاعِلِ لقَبولِهِ الباطِلَ واتِّبَاعِهِ.
قولُهُ: (رواهُ الْبَزَّارُ) هوَ أَحمدُ بنُ عمرِو بنِ عبدِ الخالِقِ؛ أبو بَكرٍ الْبَزَّارُ البَصْرِيُّ صاحبُ (الْمُسْنَدِ الكبيرِ) . ورَوَى عن ابنِ بَشَّارٍ، وابنِ الْمُثَنَّى، وخَلْقٍ؛ ماتَ سنةَ اثنتينِ وتِسعينَ ومائتينِ.
قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: (قالَ البَغَوِيُّ: العَرَّافُ الذي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الأُمُورِ بمُقَدِّمَاتٍ يَسْتَدِلُ بِهَا علَى المَسْرُوقِ ومكانِ الضالَّةِ ونحوِ ذلكَ) .
وقيلَ: هوَ الكاهِنُ، والكاهِنُ هوَ الذي يُخْبِرُ عن المُغَيَّبَاتِ في المُسْتَقْبَلِ. وقيلَ: الذي يُخْبِرُ عمَّا في الضميرِ.
وقالَ أبو العبَّاسِ ابنُ تَيْمِيَّةَ: العرَّافُ اسمٌ للكاهِنِ والمُنَجِّمِ والرَّمَّالِ، ونحوِهم مِمَّن يَتَكَلَّمُ في مَعْرِفَةِ الأُمُورِ بهذه الطُّرُقِ.
(6) قولُهُ: (قالَ الْبَغَوِيُّ إلَى آخِرِهِ) الْبَغَوِيُّ - بفَتحتينِ - هوَ الْحُسينُ بنُ مَسعودٍ الفَرَّاءُ الشافعيُّ؛ صاحبُ التصانيفِ، وعالِمُ أَهْلِ خُراسانَ، كان ثِقَةً فَقيهًا زَاهدًا؛ ماتَ في شَوَّالٍ سنةَ سِتَّ عَشْرَةَ وخَمسِمائةٍ.
قولُهُ: (العَرَّافُ: الذي يَدَّعِي مَعْرِفَةَ الأمورِ) ظاهِرُهُ أنَّ العَرَّافَ هوَ الذي يُخْبِرُ عن الواقِعِ كالسَّرِقَةِ وسارِقِها، والضَّالَّةِ ومَكَانِها.
وقالَ شيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تعالَى: إنَّ العَرَّافَ اسمٌ للكاهِنِ وَالْمُنَجِّمِ وَالرَّمَّالِ ونَحْوِهم، كالحازِرِ الذي يَدَّعِي عِلْمَ الْغَيْبِ أوْ يَدَّعِي الْكَشْفَ.
وقالَ أَيْضًا: والْمُنَجِّمُ يَدْخُلُ في اسمِ الْعَرَّافِ، وعندَ بعضِهم هوَ في مَعناهُ.
وقالَ أَيْضًا: والْمُنَجِّمُ يَدْخُلُ في اسمِ الكاهِنِ عندَ الْخَطَّابِيِّ وغيرِهِ من العُلماءِ، وحُكِيَ ذلكَ عن العَرَبِ. وعندَ آخَرِينَ هوَ مِنْ جِنْسِ الكَاهِنِ؛ وأَسوأُ حالًا منهُ، فيَلْحَقُ بهِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى.
وقالَ الإِمامُ أحمدُ: العَرَافَةُ طَرَفٌ من السِّحْرِ، والساحِرُ أَخْبَثُ.
وقالَ أبو السَّعاداتِ: العَرَّافُ الْمُنَجِّمُ، والحازِرُ الذي يَدَّعِي عِلْمَ الْغَيْبِ؛ وقد اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تعالَى بهِ.
وقالَ ابنُ الْقَيِّمِ: مَن اشْتُهِرَ بإحسانِ الزَّجْرِ عندَهم سَمَّوْهُ عائفًا، وعَرَّافًا.
والمقصودُ منْ هذا: مَعرِفَةُ أنَّ مَنْ يَدَّعِي مَعرِفةَ عِلْمِ الشيءِ من الْمُغَيَّبَاتِ فهوَ إمَّا داخِلٌ في اسمِ الكاهِنِ، وإمَّا مُشارِكٌ لهُ في المعنَى فيَلْحَقُ بهِ، وذلكَ أنَّ إصابةَ الْمُخْبِرِ ببَعضِ الأمورِ الغائبةِ في بعضِ الأحيانِ يَكونُ بالكَشْفِ. ومنهُ ما هوَ من الشياطينِ ويَكونُ: بالفَأْلِ، والزَّجْرِ، والطِّيَرَةِ، والضرْبِ بالْحَصَى، والْخَطِّ في الأَرْضِ، والتنجيمِ، والكَهانةِ والسحْرِ، ونحوِ هذا منْ عُلومِ الجاهليَّةِ، ونَعْنِي بالجَاهِلِيَّةِ كلَّ مَنْ ليسَ منْ أَتْبَاعِ الرُّسُلِ عليهم السلامُ؛ كالفلاسفةِ والْكُهَّانِ والْمُنَجِّمِينَ، وجَاهِلِيَّةِ العَرَبِ الذينَ