فهرس الكتاب

الصفحة 186 من 339

كانوا قَبلَ مَبْعَثِ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فإنَّ هذه عُلومٌ لقَوْمٍ ليسَ لهم عِلْمٌ بما جَاءَتْ بهِ الرُّسُلُ عَلَيْهِمُ السلامُ، وكلُّ هذه الأمورُ يُسَمَّى صاحبُها كاهنًا أوْ عَرَّافًا أوْ في معناهما، فمَنْ أَتَاهُم فصَدَّقَهم بما يَقولونَ لَحِقَهُ الوَعِيدُ. وقدْ وَرِثَ هذه العلومَ عنهم أقوامٌ فادَّعَوْا بها عِلْمَ الْغَيْبِ الذي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ تعالَى بعِلْمِهِ، وادَّعَوْا أنَّهُم أَولياءُ وأنَّ ذلكَ كَرامةٌ.

ولا رَيْبَ أنَّ مَن ادَّعَى الوِلايَةَ، واسْتَدَلَّ بإخبارِهِ ببَعْضِ الْمُغَيَّبَاتِ فهوَ منْ أَولياءِ الشيطانِ لا منْ أولياءِ الرحمنِ؛ إذ الكَرَامَةُ أَمْرٌ يُجْرِيهِ اللَّهُ علَى يَدِ عَبْدِهِ المؤمنِ التَّقِيِّ، إمَّا بدُعاءٍ أوْ أعمالٍ صالِحَةٍ لا صُنْعَ للْوَلِيِّ فيها، ولا يَدَ لهُ عليها، بخِلافِ مَنْ يَدَّعِي أنَّهُ وَلِيٌّ للَّهِ، ويَقولُ للناسِ: اعْلَمُوا أَنِّي أَعْلَمُ الْمُغَيَّبَاتِ، فإنَّ مثلَ هذه الأمورِ قدْ تَحْصُلُ بما ذَكَرْنَا من الأسبابِ، وإنْ كانتْ أسبابًا مُحَرَّمَةً كاذبةً في الغالِبِ، ولهذا قالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في وَصْفِ الكُهَّانِ: (( فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كِذْبَةٍ ) )فبَيَّنَ أنَّهُم يَصْدُقُون مَرَّةً ويَكْذِبون مائةً، وهكذا حالُ مَنْ سَلَكَ سبيلَ الكُهَّانِ مِمَّنْ يَدَّعِي الوِلايَةَ والعِلْمَ بما في ضَمائرِ الناسِ، معَ أنَّ نَفْسَ دَعواهُ دَليلٌ علَى كَذِبِهِ؛ لأنَّ في دَعواهُ الوِلايَةَ تَزكيَةَ النفْسِ الْمَنْهِيَّ عنها بقولِهِ تعالَى: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ} [النجم: 32] ، وليسَ هذا منْ شأنِ الأولياءِ، بلْ شأنُهم الإزراءُ علَى نُفوسِهم وعَيْبُهم لها؛ وخَوْفُهم مِنْ رَبِّهم، فكيفَ يَأْتُونَ الناسَ يقولونَ: اعْرَفُوا أنَّا أولياءُ، وأنَّا نَعْلَمُ الغيبَ؟ وفي ضِمْنِ ذلكَ طَلَبُ الْمَنْزِلةِ في قُلوبِ الْخَلْقِ، واقْتِناصُ الدنيا بهذه الأمورِ، وحَسْبُكَ بحالِ الصَّحَابةِ والتابعينَ وهم سَاداتُ الأولياءِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم، أَفَكَانَ عندَهم منْ هذه الدَّعَاوَى والشَّطَحَاتِ شيءٌ؟ لا واللَّهِ، بلْ كان أحدُهم لا يَمْلِكُ نفسَهُ من الْبُكَاءِ إذا قَرَأَ القُرآنَ كالصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وكان عمرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُسْمَعُ نَشِيجُهُ منْ وراءِ الصفوفِ يَبْكِي في صَلاتِهِ، وكان يَمُرُّ بالآيَةِ في وِرْدِهِ من الليلِ فيَمْرَضُ منها لَيالِيَ يَعودونَهُ، وكان تَمِيمٌ الدارِيُّ يَتَقَلَّبُ في فِراشِهِ، لا يَستطيعُ النَّوْمَ إلَّا قليلًا خوفًا من النارِ، ثمَّ يَقومُ إلَى صَلاتِهِ. ويَكفيكَ في صِفاتِ الأولياءِ ما ذَكَرَهُ اللَّهُ تعالَى في صِفاتِهم في سُورةِ الرَّعْدِ، والمؤمنينَ، والفُرقانِ، والذارياتِ، والطُّورِ، فالْمُتَّصِفُونَ بتلكَ الصِّفاتِ هم الأولياءُ الأصفياءُ، لا أهلُ الدَّعْوَى والكَذِبِ ومُنازَعَةِ ربِّ العالمينَ فيما اخْتُصَّ بهِ من الكِبرياءِ والعَظَمَةِ، وعِلْمِ الغيبِ؛ بلْ مُجَرَّدُ دَعواهُ عِلْمَ الغَيبِ كُفْرٌ. فكيفَ يكونُ الْمُدَّعِي لذلكَ وَلِيًّا للَّهِ؟ وقدْ عَظُمَ الضرَرُ واشْتَدَّ الْخَطبُ بهؤلاءِ الْمُغْتَرِّينَ الذينَ وَرِثُوا هذه العُلومَ عن الْمُشركينَ، ولَبَّسوا بها علَى خَفافيشِ القلوبِ، نَسألُ اللَّهَ السلامةَ والعافيَةَ في الدنيا والآخِرَةِ.

(7) قالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وَقالَ ابنُ عَباسٍ فِي قَومٍ يَكْتُبونَ أَبَا جَادٍ ويَنْظُرُونَ في النُّجُومِ:"ما أرَى فِعْلَ ذلكَ لهُ عندَ اللَّهِ منْ خَلاقٍ") ، هذا الأَثَرُ رواهُ الطبرانيُّ عن ابنِ عبَّاسٍ مرفوعًا، وإسنادُهُ ضَعيفٌ، ولفظُهُ:"رُبَّ مُعَلِّمٍ حُرُوفَ أَبي جَادٍ - دَارِسٍ في النُّجُومِ - لَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَلَاقٌ يَوْمَ القِيَامَةِ )) ، ورواهُ حُمَيْدُ بنُ زَنْجُوَيْهِ عنه بلَفْظِ:"رُبَّ نَاظِرٍ في النُّجُومِ وَمُتَعَلِّمٍ حُرُوفَ أَبي جَادٍ لَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَلَاقٌ"."

قولُهُ: (ما أَرَى) يَجوزُ فَتْحُ الهمزةِ بمعنَى: لا أَعْلَمُ، ويَجوزُ ضَمُّها بمعنَى: لا أَظُنُّ.

وكتابةُ (أبي جادٍ) وتَعَلُّمُها لِمَنْ يَدَّعِي بها عِلْمَ الغيبِ هوَ الذي يُسَمَّى عِلْمَ الْحَرْفِ، وهوَ الذي فيهِ الوَعيدُ، فأَمَّا تَعَلُّمُها للتَّهَجِّي وحِسابِ الجُمَّلِ فلا بَأْسَ بهِ.

قولُهُ: (وَيَنْظُرُونَ في النُّجُومِ) أيْ: ويَعتقدونَ أنَّ لها تأثيرًا، كما سَيَأْتِي في بابِ التنجيمِ.

وفيهِ من الفوائدِ عَدَمُ الاغترارِ بما يُؤْتَاهُ أهلُ الباطلِ منْ مَعارِفِهم وعُلومِهم، كما قالَ تعالَى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [غافر: 83] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت