فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 339

وفيه: إشارةٌ إلى أنَّ النُّجومَ في السماءِ الدنيا، كما رَوَى ابنُ مَرْدُويَه, عن ابنِ مسعودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( أمَّا السَّماءُ الدُّنيا: فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَها مِنْ دُخَانٍ، وَجَعَلَ فيها سِراجًا وَقَمَرًا مُنيرًا، وَزَيَّنَها بِمَصابيحَ، وَجَعَلَها رُجومًا لِلشَّياطينِ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجيمٍ ) ).

قولُه: (( وَعَلاماتٍ ) )أي: دَلالاتٍ على الْجِهاتِ (( يُهْتَدَى بِها ) )أي: يَهْتَدِي بها الناسُ في ذلك. كما قالَ تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام:97] أي: ليَعْرِفُوا بها جِهَةَ قَصْدِهم، وليس الْمُرادُ أنه يُهْتَدَى بها في عِلْمِ الْغَيْبِ، كما يَعتقِدُه الْمُنَجِّمونَ، وقد تَقدَّمَ بُطلَانُه، وأنه لا حَقيقةَ له كما قالَ قَتادةُ: (( فَمَنْ تَأَوَّلَ فِيها غيرَ ذلِكَ ) )أي: زَعَمَ فيها غيرَ ما ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِه من هذه الثلاثِ فقد أَخْطَأَ. حيثُ زَعَمَ شيئًا ما أَنْزَلَ اللَّهُ به مِن سُلطانٍ، وأَضاعَ نَصيبَه من كلِّ خيرٍ؛ لأنه أشَغَلَ نفسَه بما يَضُرُّهُ ولا يَنْفَعُه.

فإن قِيلَ: الْمُنَجِّمُ قد يَصْدُقُ. قيلَ: صِدْقُه كصِدْقِ الكاهِنِ، يَصْدُقُ في كلمةٍ ويَكْذِبُ في مائةٍ. وصِدْقُه ليس عن عِلْمٍ، بل قد يُوافِقُ قَدَرًا، فيكونُ فِتنةً في حَقِّ مَن صَدَّقَه.

وعن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في قولِه: {وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلامَاتٍ} [النحل:15 - 16] فقولُه: {وَعَلامَاتٍ} مَعطوفٌ على ما تَقَدَّمَ مِمَّا ذَكَرَه في الأرضِ، ثم اسْتَأْنَفَ فقالَ: {وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} ذَكَرَه ابنُ جَريرٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ بمعناه.

وقد جَاءَت الأحاديثُ عن النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بإبطالِ عِلْمِ التنجيمِ، كقولِه: (( مَنِ اقْتَبَسَ شُعْبَةً مِنَ النُّجومِ فَقدِ اقْتَبَسَ شُعْبةً مِنَ السِّحرِ, زادَ ما زادَ ) ).

وعن رَجاءِ بنِ حَيْوةَ: أنَّ النبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: (( مِمَّا أَخَافُ عَلَى أُمَّتي: التَّصْدِيقُ بِالنُّجومِ، وَالتَّكذيبُ بِالقَدَرِ، وَحَيْفُ الأئِمَّةِ ) )رواه عبدُ بنُ حُمَيْدٍ، وعن أبي مِحْجَنٍ مَرفوعًا: (( أَخافُ علَى أُمَّتي ثَلاثًا: حَيْفَ الأَئِمَّةِ، وَإِيمانًا بِالنُّجومِ، وَتَكْذِيبًا بالقَدَرِ ) )رواه ابنُ عساكِرَ، وحَسَّنَه السُّيُوطِيُّ.

وعن أَنَسٍ مَرفوعًا: (( أَخَافُ عَلَى أُمَّتي بَعدِي خَصْلَتَيْنِ: تَكْذيبًا بِالقَدَرِ، وَإِيمَانًا بِالنُّجومِ ) )رواه أبو يَعْلَى وابنُ عَدِيٍّ والخَطيبُ في كِتابِ النُّجومِ، وحَسَّنَه السُّيوطيُّ أيضًا. والأحاديثُ في ذَمِّ التنجيمِ والتحذيرِ منه كَثيرةٌ.

(3) قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: (وكَرِه قَتادةُ تعلُّمَ مَنازِلِ القَمَرِ، وَلَمْ يُرَخِّصِ ابنُ عُيينةَ فيهِ، ذَكَرَهُ حَرْبٌ عَنْهُما، وَرَخَّصَ فِي تَعلُّمِ الْمَنازِلِ أحمدُ وإسحاقُ) .

قالَ الْخَطَّابِيُّ: أمَّا عِلْمُ النجومِ الذي يُدْرَكُ من طَريقِ الْمُشاهَدَةِ والخبَرُ الذي يُعْرَفُ به الزَّوالُ، وتُعْلَمُ به جِهةُ القِبْلَةِ: فإنه غيرُ داخلٍ فيما نُهِيَ عنه. وذلك أنَّ مَعرِفَةَ رَصْدِ الظلِّ ليس شيئًا أكثرَ من أنَّ الظِّلَّ ما دامَ مُتَنَاقِصًا فالشمسُ بَعْدُ صَاعدةٌ نحوَ وَسَطِ السماءِ من الأُفُقِ الشرقيِّ، وإذا أَخَذَ في الزيادةِ فالشمسُ هابِطةٌ من وَسَطِ السماءِ نحوَ الأُفُقِ الغربيِّ، وهذا عِلْمٌ يَصِحُّ إدراكُه بالْمُشاهَدَةِ، إلا أنَّ أَهْلَ هذه الصناعةِ قد دَبَّرُوها بما اتَّخَذُوا لَهَا من الآلاتِ التي يَسْتَغْنِي الناظِرُ فيها عن مُراعاةِ مُدَّتِه ومُرَاصَدَتِه. وأمَّا ما يُسْتَدَلُّ به من النجومِ على جِهةِ القِبلةِ: فإنها كَواكبُ رَصَدَها أهلُ الْخِبرةِ بِهَا من الأَئِمَّةِ الذين لا نَشُكُّ في عِنايَتِهم بأَمْرِ الدِّينِ ومَعْرِفَتِهم بها، وصِدْقِهم فيما أَخْبَروا به عنها، مِثلَ أن يُشاهِدَها بِحَضْرَةِ الكَعبةِ، ويُشاهدَها على حالِ الغَيْبَةِ عنها، فكانَ إدراكُهم الدَّلالةَ منها بالْمُعايَنَةِ، وإدراكُنا ذلك بقَبولِ خَبَرِهم إذ كانوا عِنْدَنا غيرَ مُتَّهَمِين في دِينِهم، ولا مُقَصِّرِينَ في مَعْرِفَتِهم. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت